الفوز بالجولة الأولى: لماذا لا يكفي قمع الدفاعات الجوية الفنزويلية

في 3 يناير 2026، نفّذت الولايات المتحدة عمليةً عسكرية خاطفة ضد فنزويلا، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، في خطوة أذهلت المراقبين بسرعة تنفيذها ودقتها الظاهرة، مما عزز التصورات الراسخة حول التفوق العسكري الأمريكي الساحق. وكان من أهم عوامل نجاح هذه العملية التدمير السريع لشبكة الدفاع الجوي الفنزويلية المتكاملة، الأمر الذي مكّن القوات الأمريكية من العمل بحرية تامة والتحرك في الأجواء من دون عوائق تُذكر خلال العمليات الجوية.

ومع ذلك، فبينما يُمكن وصف اعتقال مادورو وزوجته، إلى جانب تحييد الدفاعات الجوية الفنزويلية، بأنه نجاح ساحق على مستوى ساحة المعركة، إلا أنهما لا يضمنان في حد ذاتهما انتصارًا أمريكيًا في الحملة الأوسع ضد فنزويلا.

وقد تجلّت القوة الجوية الأمريكية بكامل قوتها خلال العملية. فقد شكّلت مقاتلات إف-22 وإف-35 المتطورة، مدعومة بطائرات إف/إيه-18 الهجومية، ومنصات الحرب الإلكترونية إي إيه-18، وقاذفات بي-1، منظومة هجومية متطورة ومتعددة الطبقات. وبفضل هذا التنسيق، تم تفكيك منظومة الدفاع الجوي الفنزويلي التي كانت تعتمد بشكل كبير على المعدات الروسية مثل منظومات إس-300، وبوك-إم2إي، وإس-125 بيتشورا-2إم. كما أثبتت الرادارات والمكونات الصينية المضادة للطائرات المتقدمة التي نشرتها القوات الفنزويلية عدم فعاليتها. ومن الناحية العملياتية البحتة، أظهرت الولايات المتحدة قدرتها على كشف وتعطيل وتدمير شبكة دفاع جوي حديثة ومتكاملة في وقت قصير.

ومع ذلك، لا يمكن فهم الحرب الحديثة من منظور النجاح التكتيكي أو العملياتي فقط. فالتحليل الاستراتيجي غالبًا ما يُؤطر من خلال الثالوث المعروف بـ "الأهداف، والسبل، والوسائل".

يشير مصطلح “الأهداف” إلى الأهداف السياسية التي تسعى الدولة لتحقيقها، مثل الردع، وتغيير النظام، وتوسيع النفوذ، أو ضمان الوصول إلى الموارد الاستراتيجية. بينما يُستخدم مصطلح “السبل” لوصف الاستراتيجيات والأساليب المتبعة للوصول إلى تلك الأهداف، وتشمل الدبلوماسية والضغط الاقتصادي والعمليات السيبرانية والحملات الإعلامية واستخدام القوة العسكرية. أما مصطلح “الوسائل” فينطوي على الموارد المتاحة، بما في ذلك القدرات العسكرية، والاستخبارات، والقوة الاقتصادية، والتحالفات.

ولا يعتمد النجاح في القتال الحديث على التفوق في مجال واحد فقط من هذه المجالات، بل على التنسيق بينها جميعًا مع إدارة التصعيد ودمج الأدوات العسكرية وغير العسكرية في بيئة نزاع معقّدة.

في حالة فنزويلا، أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "الأهداف" (الهدف الاستراتيجي) لإدارته بوضوح نسبي: السعي نحو تحقيق نفوذ حاسم في السياسة الفنزويلية وضمان الوصول إلى ثروتها النفطية الهائلة. تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تُقدر بأكثر من 300 مليار برميل، مما يجعلها جائزة استراتيجية ذات قيمة وأهمية بالغة في سياق الصراع على الموارد والطاقة.


لا شك أن الولايات المتحدة تمتلك “السبل” اللازمة لمتابعة هذه الأهداف الاستراتيجية، بما في ذلك القوة العسكرية غير المسبوقة، وقدرات الاستخبارات المتقدمة، والانتشار العالمي. كما أظهرت الولايات المتحدة فاعلية “السبل” في المرحلة الأولى من خلال عملية عسكرية سريعة ومكثفة حققت أهدافها المباشرة.

ومع ذلك، يبدأ التوافق بين الأهداف والسبل والوسائل بالتفكك والتلاشي بمجرد انتهاء الضربات الأولية. فاعتقال مادورو وإخماد الدفاعات الجوية الفنزويلية قد يُغري واشنطن بإعلان النصر قبل الأوان، إذا تم افتراض أن انهيار القوة الجوية الفنزويلية يعادل هيمنة استراتيجية كاملة. إلا أن هذا الافتراض سيكون سابقًا لأوانه وخطيرًا.

فالصراعات الحديثة لا تُحسم فقط بتدمير أنظمة العدو أو إزاحة قائد واحد، بل تُحسم من خلال النتائج السياسية، والاستقرار طويل الأمد، والشرعية، واستعداد القوة المتدخلة لتحمّل التكاليف الاقتصادية والعسكرية والبشرية على المدى الطويل.

يبقى سؤال محوري مطروحًا: هل تستطيع إدارة ترامب استغلال البُنى التحتية النفطية الهائلة في فنزويلا، وأن تديرها وتتحكم بها بشكل فعّال؟حتى لو تم تنصيب حكومة جديدة موالية للولايات المتحدة في كاراكاس، فإن تأمين وحماية الآبار والمنشآت النفطية والمصافي وخطوط الأنابيب ومحطات التصدير سيتطلب على الأرجح وجود قوات أمريكية على الأرض.وهنا يكمن التحدّي الحقيقي.

فما بدأ كحملة عسكرية اتسمت بالسرعة والدقة والتفوق التكنولوجي، يمكن أن يتحوّل الآن إلى حرب استنزاف طاحنة تُخاض في بيئات تتضاءل فيها مزايا أمريكا وتنكشف فيها نقاط ضعفها.

علاوة على ذلك، قد يقاوم بعض الفنزويليين ما يعتبرونه هيمنة أجنبية أو سيطرة استعمارية جديدة على الموارد الوطنية. فالوعي القومي له تأثيرًا قويًا في حشد الجماهير، لا سيما عندما يُنظر إلى القوى الخارجية على أنها قوات احتلال وليست محرّرة.

لطالما أعدت عناصر من الجيش الفنزويلي وقوات الأمن خططًا للطوارئ للتحول إلى حرب عصابات في حال وقوع غزو أجنبي. ومن شأن هذا التحول أن يغير جوهريًا طبيعة الصراع.

تؤكّد الثقافة العسكرية الأمريكية على الابتكار والسرعة والسيطرة على المعلومات، ولكن التاريخ يقدم أمثلة عديدة على أن هذه المزايا قد لا تكون كافية في مواجهة تضاريس عدائية وأشكال مقاومة غير تقليدية.

فالحرب في فيتنام تُعد مثالًا تاريخيًا مُثيرًا للتأمل؛ فعلى الرغم من التفوق الفائق في القوة النارية واستخدام أكثر من خمسة ملايين طن من القنابل، فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها السياسية.وانتصرت هانوي في نهاية المطاف ليس لأنها كانت تملك تكنولوجيا مماثلة، بل لأنها صمدت أطول من الولايات المتحدة وأظهرت استعدادًا لتحمّل معاناة هائلة على مدى الزمن.


تُعدّ تضاريس فنزويلا بالغة الصعوبة، إذ تُغطّي الغابات والأدغال والمزارع ما يقارب ثلثي مساحة البلاد. تؤدي مثل هذه البيئات إلى إضعاف قدرات أجهزة الاستشعار، وتحدّ من قدرة الوحدات العسكرية الكبيرة على الحركة، وتُوفّر مستويات عالية من الإخفاء والتمويه للقوات غير النظامية. وبإمكان الخصم المُستعدّ للتضحية بالمساحة مقابل الوقت أن يُحوّل هزيمةً أوليةً إلى صراعٍ طويل الأمد يختبر الصمود لا التكنولوجيا.

ويمكن لقوات المقاومة المحلية التي تعتمد تكتيكات حرب العصابات أن تُرهق خطوط الإمداد، وتنفذ عمليات تخريب ضد المنشآت النفطية، وتفرض عبئًا أمنيًا دائمًا على القوات الأمريكية. فحماية البنية التحتية الحيوية عبر مساحات شاسعة وتضاريس وعرة ستؤدي إلى تشتيت القوات الأمريكية وإرهاقها، وترفع في الوقت ذاته التكلفة السياسية والمالية داخل الولايات المتحدة. وفي ظل سكان محليين مُعادين وجغرافيا لا ترحم، ستجد أيّ قوة خارجية نفسها أمام تحديات متزايدة في فرض السيطرة على فنزويلا.

والدرس هنا ليس أنّ التكنولوجيا عديمة الفائدة، بل أنّها مرهونة بالسياق. ففي مواجهة خصوم قادرين على التكيّف وبيئات قاسية، حتى أكثر الأدوات تطورًا تحتاج إلى قدر كبير من الانضباط والواقعية والتواضع. فالأدغال لها ذاكرة طويلة، وقد سبق لها أن أذلّت قوى عظمى عبر التاريخ.

وبينما قد تصب الجولة الأولى من الحملة الفنزويلية في مصلحة إدارة ترامب وقوتها النارية المتفوقة، فإن النتيجة النهائية يُرجّح أن تصب في صالح أولئك القادرين على القتال مراراً وتكراراً وعلى تحمّل ما لا يستطيع الآخرون تحمّله من معاناة وصبر طويل.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙