أبرز الاتجاهات الجيوسياسية في عام 2025: عالم يتجه نحو مزيد من المواجهة؟

استمرّت الصراعات الممتدة من سنوات سابقة في التأثير على المشهد العالمي خلال النصف الأول من عام 2025، إذ لا تزال الحرب الروسية-الأوكرانية، التي اندلعت في 2022، والنزاع بين حماس وإسرائيل، الذي بدأ في 2023، مستمرّين حتى الآن. ولم تقتصر تداعيات هذه الصراعات على الأطراف المباشرة فقط، بل تعدتها لتشمل الأمن الفردي والدولي، وحركات الهجرة الجماعية، والاقتصاد العالمي، والعلاقات الدبلوماسية.[i]

استمرّت هذه النزاعات لأن الأطراف المتحاربة فضّلت الحلول العسكرية على التفاوض، كما حدث في صراعات تاريخية كبرى مثل الحربين العالميتين، والحرب الباردة، وسلسلة النزاعات العسكرية بعد أحداث 11 سبتمبر، مع وجود اختلاف مهم هذه المرة وهو أن القوى الكبرى في النزاعات الحالية لديها دوافع لتجنب القتال المباشر فيما بينها.

في هذا السياق، نشر مجلس العلاقات الخارجية - وهو مركز أبحاث مستقل مقره نيويورك - في عام 2025 استطلاع الأولويات الوقائية، الذي يرصد تقييمات مئات الخبراء الأمريكيين في السياسة الخارجية حول احتمال وقوع تهديدات تواجه الولايات المتحدة خلال العام المقبل. يصنّف الاستطلاع النزاعات إلى ثلاث درجات حسب احتمالية تصعيدها وشدّة تأثيرها. الجدير بالذكر أن جميع النزاعات المذكورة هي امتداد لصراعات قائمة دون مؤشرات إيجابية في النصف الأول من 2025.

الدرجة الأولى تشمل النزاعات التي يتوقع استمرار احتمالية تصعيدها وتأثيرها بدرجة متوسطة إلى عالية طوال العام. ويرى المشاركون في الاستطلاع أن الحرب بين إسرائيل وحماس، وكذلك الحرب الروسية-الأوكرانية، ستستمر هذا العام. كما تحوّل الصدام الإيراني-الإسرائيلي في يونيو 2025 إلى حرب شاملة، مع تأثيرات مباشرة على استقرار الشرق الأوسط. وحتى إن لم تحدث بعد، فإن احتمالات نشر قوات أمريكية في المكسيك، وزيادة الاستفزازات العسكرية الروسية في جورجيا ومولدوفا، والتحركات الصينية الحازمة في بحر الصين الجنوبي، أدرجت أيضاً في الدرجة الأولى نظراً لاحتمالات التصعيد المرتفعة.

أما النزاعات مثل الحرب الأهلية المستمرة والعنف العرقي في السودان، والاشتباكات في الصومال بين حركة الشباب والحكومة، والمواجهات في أفغانستان، فقد اعتُبرت أقل احتمالاً للاستمرار أو أقل تأثيراً من الدرجة الأولى. وتضمنت الدرجة الثانية أزمات جيوسياسية مثل أزمة البحر الأحمر، حيث أطلق الحوثيون صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل واستولوا على سفن تجارية، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي في باكستان، والتوتر بين الهند وباكستان، وتصعيد اللهجة العدائية لكوريا الشمالية.

أما الدرجة الثالثة فشملت تدهور الحوكمة في منطقة الساحل، والتوترات في نيجيريا، والأوضاع في بنغلاديش، حيث يُتوقع إما احتمالية معتدلة للتصعيد أو تأثير عالمي محدود. كما تضم هذه الدرجة الصراعات السياسية والنزاعات على السلطة في شرق الكونغو وميانمار وموزمبيق بشأن المطالبات الإقليمية، بالإضافة إلى النزاعات الداخلية في إثيوبيا وليبيا والبلقان الغربية، التي أسفرت جميعها عن زيادة في أعداد الضحايا المدنيين والنازحين.

بالنظر إلى تركّز المواجهات الجيوسياسية في المناطق المختلفة خلال السنوات الثلاث الماضية، يتضح أن الشرق الأوسط هو المنطقة الأكثر عرضة للتصعيد. فقد ازدادت حدّة الحرب بين إسرائيل وحماس مع تفاعلها مع صراعات أخرى في المنطقة، وخاصة رد الحوثيين في البحر الأحمر، وكذلك حزب الله في لبنان. وقد خلّفت الأزمة الإنسانية في غزة أكثر من 50,000 قتيل، و100,000 جريح، و2 مليون نازح.[ii]كما تحوّل الصراع الإيراني-الإسرائيلي إلى حرب مفتوحة، مما جعل كلا البلدين ساحة قتال.

أدت الهجمات والضربات المتبادلة بين الأطراف الحكومية وغير الحكومية في الشرق الأوسط إلى زيادة الطابع الأمني المفرط (الأمننة). وزاد من حدة الوضع ضعف النظام الإقليمي، مما عمّق الفجوة بين الدول العربية من حيث الحوكمة والاقتصاد والرفاه الاجتماعي. وقد خلقت هذه الفجوة حالة من السخط في الدول العربية الأقل نمواً، ما أتاح للمتمردين والجماعات الإرهابية فرصة زعزعة الاستقرار عبر تحدي سلطة الدولة، وهو ما يُعرف بـ "التأمين الأمني (الأمننة) من القاعدة إلى القمة" (Bottom-up securitisation). في المقابل، يمثل رد الدول على هذه الهجمات نموذجاً لما يعرف 'بالتأمين الأمني من القمة إلى القاعدة'. وسيؤدي استمرار الاشتباكات المُتصاعدة والمُستمرة بين الأطراف غير الحكومية والسلطات إلى حلقة مفرغة من عدم الاستقرار، ويزيد من احتمالية المواجهة على نطاق أوسع.

عُقدت في 27 مايو 2025 قمة الآسيان-مجلس التعاون الخليجي-الصين في كوالالمبور، وكانت من أوائل المبادرات المشتركة بين دول جنوب شرق آسيا والصين ومجلس التعاون الخليجي نزع فتيل التصعيد في الشرق الأوسط. وللمرة الأولى، اتفق قادة الآسيان ومجلس التعاون الخليجي والصين على ضرورة احتواء الوضع في الشرق الأوسط. ودعا المشاركون الأطراف المعنية إلى العمل من أجل حل سلمي عبر الأطر القائمة، بما في ذلك اتفاقية جنيف بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب، وآراء محكمة العدل الدولية الاستشارية بشأن الاحتلال غير المشروع، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع أن القمة ناقشت قضايا مهمة، فإن أجندتها كانت محدودة بمشاركة دول مجلس التعاون الخليجي فقط، دون إشراك جميع دول الشرق الأوسط.

بشكلٍ عام، تمر العلاقات الدولية الآن بمرحلة ديناميكية للغاية، مع تزايد التساؤلات حول فعالية المنظمات الدولية وقيادة القوى الكبرى. وتعكس المواجهات المستمرة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى وجود أزمة في الثقة. كما قوضت النزعة الانعزالية، والحروب التجارية، والحماية المفرطة التي تمارسها القوى الكبرى، مساراً واضحاً للمصالحة وخفض التصعيد في جميع درجات الصراع.

وعلى الرغم من محاولات التهدئة مثل قمة الآسيان-مجلس التعاون الخليجي-الصين، والمفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة، واتفاق وقف إطلاق النار في غزة، فإن عام 2025 سيكون عاماً مليئاً بالتحديات والضبابية. لكن لا يعني ذلك التشاؤم حيال آفاق السلام، بل إن عام 2025 يفتح المجال لمزيد من التدخل من جانب القوى المتوسطة، وكذلك الكتل الإقليمية مثل الآسيان ومجلس التعاون الخليجي. فقمة الآسيان-مجلس التعاون الخليجي-الصين تمثل ابتكاراً فريداً، وُلد في خضم الصراعات، لكنها تبعث برسالة واضحة مفادها أن القوى المتوسطة لم تعد متفرجة، وأن لكل طرف دوراً في منع تصعيد المواجهات.


بيان إخلاء المسؤولية:

الآراء والأفكار الواردة في سلسلة منشورات "رؤى وآراء" تعبر عن وجهات نظر كتّابها فقط، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية أو موقف مركز ربدان للأمن والدفاع أو أي من الجهات التابعة له أو أي جهة حكومية. يُنشر هذا المحتوى لأغراض إعلامية، ويعكس الرؤى الشخصية للمؤلفين حول مواضيع متنوعة تتعلق بالأمن والدفاع.


[i] Infuture Institute, (2025). Geopolitical Confrontations, https://infuture.institute/en/trend/geopolitical-confrontations/

[ii] France 24, (2025). World Leaders Urge Israel To Stop Its Deadly Military Offensive in Gaza, 17 May, https://www.france24.com/en/middle-east/20250517-world-leaders-urge-israel-to-stop-its-deadly-military-offensive-in-gaza

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙