في يونيو 2025، أعلن حساب على تطبيق "تلغرام" مرتبط بمجموعة فاغنر أن “المهمة أُنجزت”. وجاء هذا الإعلان في إشارة إلى دولة مالي، حيث كانت الشركة العسكرية الخاصة (PMC) تقدم الدعم الأمني للسلطات الوطنية منذ عام 2021، رغم عدم الاعتراف الرسمي به من قبل حكومتي باماكو أو موسكو. ووفقاً لمصادر دبلوماسية، تم استبدال فاغنر بفيلق إفريقيا، وهو مجموعة شبه عسكرية تابعة لوزارة الدفاع الروسية، [1] ما يمثل نهاية مرحلة العمليات السرّية التي نفذتها روسيا على الأراضي الإفريقية، وبداية فترة جديدة من الدعم العسكري والسياسي المؤسسي للأنظمة السلطوية المستحدثة في منطقة الساحل الإفريقي.
ينبغي أن يدفع هذا الحدث الباحثين وصنّاع السياسات في الغرب إلى إعادة النظر بعمق في نموذج إدارة الصراعات الروسي، والذي يعتبره كثيرون نموذجاً أحادياً أو جامداً. وكما عرّفه ديفيد لويس، [2] فإن نموذج إدارة الصراعات الروسي، المعروف باسم "باكس روسيكا" (Pax Rossica)، هو شكل من أشكال الإدارة السلطوية للنزاعات، يُعطي الأولوية للنظام على حساب العدالة، ويمنح الأولوية للاستقرار قصير الأمد بدلاً من تسوية الصراع على المدى الطويل. غير أن منتقدين يرون أن وصف هذا النموذج بأنه "روسي" ليس دقيقاً، إذ تتسم السياسات الروسية بكونها براغماتية وموقفية، وتُوجَّه أساساً باعتبارات توازن القوى.
وعلى مدى العقدين الماضيين، شهد نموذج إدارة الصراعات الروسي تطورات جوهرية استجابةً للتغيّرات النظامية التي ساهم هو ذاته في تحفيزها من خلال تحدّي النظام الدولي الليبرالي المهيمن ومنافسته.[3] ويمكن تتبّع تطور هذا النموذج عبر ثلاث مراحل أساسية: مرحلة التقليد، والمرحلة السرّية، ومرحلة الوصاية، وهي مراحل تعكس الانتقال التدريجي من العمل الخفي إلى العمل العلني المناهض للهيمنة الغربية في نطاق إدارة الصراعات الروسية. ففي البداية، كانت روسيا تميل إلى محاكاة النهج الغربي والعمل بأسلوب متكتّم. إلا أنها مع مرور الوقت بدأت تتصرف بطريقة تتحدى الهيمنة الغربية بشكل صريح. ويعكس هذا التطور - من العمل السري إلى العمل العلني المناهض للهيمنة - مزيجاً من تنامي الثقة الروسية في قدراتها، وتزايد مرونة البيئة الدولية التي تسمح لها بالتحرك بقدر أقل من القيود.
مرحلة التقليد (2008–2017)
في هذه المرحلة، كانت العلاقات الروسية-الغربية لا تزال قائمة على التعاون. ففي الفترة ما بين عامي 2010 و2014، أطلقت الأمم المتحدة بعثات رئيسية في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO)، وجنوب السودان (UNMISS)، ومالي (MINUSMA)، وجمهورية إفريقيا الوسطى (MINUSCA)، بدعم روسي أو دون معارضة من موسكو. وقد شكّل تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا نقطة تحوّل في هذا السياق، رغم استمرار الغرب في موقع الهيمنة، وبقاء إدارة الصراعات ضمن الإطار الليبرالي. كان أول اختبار فعلي لنموذج إدارة الصراعات الروسي يتمثل في النزاع حول المنطقة الجورجية شبه المستقلة أوسيتيا الجنوبية. فبعد "ثورة الورود" التي جاءت بميخائيل ساكاشفيلي، السياسي الشاب الموالي للولايات المتحدة، إلى السلطة معلناً عزمه استعادة وحدة الأراضي الجورجية، بادرت موسكو إلى منح الجنسية الروسية لسكان أوسيتيا الجنوبية. وفي عام 2008، شنّت جورجيا هجوماً على مدينة تسخينفالي، ما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين وسبعة من جنود حفظ السلام الروس. وردّ الكرملين بتدخل عسكري سريع أنهى المعارك بهزيمة الجيش الجورجي.[4] وأعقب ذلك اعتراف موسكو باستقلال أوسيتيا الجنوبية. وقد برّرت موسكو تدخلها من خلال سرديات تحاكي خطاب حلف الناتو في كوسوفو، بما في ذلك الاتهامات بارتكاب إبادة جماعية. وفي عام 2020، أعقاب الحرب الثانية في ناغورنو-قره باغ، توسطت روسيا للتوصل إلى وقف إطلاق نار بين القوات الأرمنية والأذرية المتحاربة. وقد حظي هذا الاتفاق بتأييد الأمم المتحدة، وجاءت صياغته مستندة إلى الخطاب الليبرالي، حيث وُصفت القوات الروسية المنتشرة في المنطقة بأنها "قوات حفظ سلام". أما ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 فقد اتبع منطقاً مشابهاً. ففي فبراير من ذلك العام، شكّلت المعارضة الأوكرانية حكومة مؤقتة لم تشمل ممثلين عن شبه جزيرة القرم. وخلال الأيام التالية، سيطرت الجماعات الانفصالية على شبه الجزيرة بمساندة القوات الروسية. وفي 6 مارس 2014، أعلنت موسكو قبول منطقة القرم في الاتحاد الروسي. وقد شرعن الكرملين فعله هذا بالإشارة إلى "طلب التدخل" الذي تقدّم به الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، وبالاستناد إلى مبدأ حق تقرير المصير لسكان القرم من ذوي الأصول الروسية. كما رسّخ التدخل الروسي في سوريا عام 2015 هذا النمط، إذ برّرت موسكو عملياتها بأنها جاءت استجابة لطلب من حكومة ذات سيادة، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة.[5] وبالطريقة ذاتها، جاءت محادثات أستانا - التي حلّت محل العملية التي كانت تقودها الأمم المتحدة في جنيف عام 2017 - لتعلن صراحة أنها تهدف إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254.
المرحلة السرّية (2017–2023)
عقب انهيار اتفاقيات مينسك، تدهورت العلاقات بين الغرب وروسيا بوتيرةٍ متصاعدة، بلغت ذروتها في العملية العسكرية التي شنّتها موسكو ضد أوكرانيا عام 2022. وقد دفعها ذلك إلى انتهاج عملياتٍ أكثر انفتاحًا تهدف إلى زعزعة الاستقرار ضد مصالح أوروبا والولايات المتحدة، إضافةً إلى السعي نحو تأمين دعمٍ اقتصادي وسياسي يخفف من وطأة العزلة المفروضة عليها. إنّ حالة التطويق الدولي أجبرت موسكو على استخدام أدواتٍ يمكن إنكارها رسميًا في الوقت الذي واصلت فيه انخراطها في إدارة الصراعات. وفي إفريقيا، ورغم نفيها الرسمي، فقد قدّمت دعمًا مباشرًا لمرتزقة مجموعة فاغنر الذين أبرموا اتفاقياتٍ مع حكومات دولٍ متأثرة بالنزاعات تشهد وجودًا للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودولٍ أوروبية أخرى مثل فرنسا. وقد تمّ رصد وجود المجموعة أيضًا في موزمبيق والسودان وليبيا، إلا أنّ انخراطها كان الأبرز في جمهورية إفريقيا الوسطى ومالي.[6] في جمهورية إفريقيا الوسطى، وصلت فاغنر لأول مرة عام 2017 لتملأ الفراغ الأمني الذي خلّفه الفرنسيون. وسرعان ما أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنظام بانغي، إذ دعمت الحملات الإعلامية الموالية للرئيس تواديرا ولروسيا، وعملت على ترهيب المعارضة السياسية. وقد وصف الباحث سبيرين الاستخدام الواسع للعنف كسياسةٍ راسخة لإدارة الصراعات[7] بأنه (يمثّل في الوقت نفسه إهانة مروّعة لمفهوم بناء السلام الليبرالي، واستراتيجية وظيفية مهمة، وتجسيدًا لمعايير وسياسات غير ليبرالية)”. أمّا في مالي، فقد وصلت فاغنر عام 2021 بعد انقلابٍ عسكري، لتتولى مهامّ التدريب ومكافحة الإرهاب والأنشطة المرتبطة بالموارد الطبيعية.[8] وقد أضفت صفتها كشركةٍ خاصة مظهر السيادة على المجلس العسكري الحاكم، وساهمت في تحصين النظام . وكما هو الحال في جمهورية إفريقيا الوسطى، أصبحت المجموعة عنصرًا لا غنى عنه للنظام، مع ازدياد عزلة باماكو بعد انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، وقطع علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وطرد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
مرحلة الوصاية (2023 – حتى الوقت الراهن)
في الثالث والعشرين من يونيو عام 2023، عبر يفغيني بريغوجين، زعيم مجموعة فاغنر، الحدود من أوكرانيا ليستولي على مدينة روستوف في جنوب روسيا، بعد أشهر من تصاعد التوتر بينه وبين القادة العسكريين في موسكو. وبدأت قواته التقدّم نحو العاصمة، قبل أن تُصدر الأوامر بوقف الزحف في اليوم التالي. وفي السابع والعشرين من يونيو، وبعد سنوات من الإنكار، صرّح الرئيس فلاديمير بوتين قائلاً: “أود أن أوضح أن تمويل مجموعة فاغنر بالكامل كان من قِبل الدولة”.[9] عقب ذلك، أطلقت وزارة الدفاع الروسية خطة لدمج فاغنر ضمن هيكل تنظيمي جديد تحت مسمى فيلق إفريقيا. ورغم وصف البعض لهذه الخطوة بأنها مجرد إعادة تسمية،[10] فإنّ كون الفيلق الجديد يخضع لإدارة حكومية رسمية يُعدّ بمثابة إضفاء طابع مؤسسي فعلي على الوجود الروسي في إفريقيا، ويُشير إلى تحوّل جوهري في السياسة الخارجية الروسية - من العمل السري إلى العمل العلني المناهض للهيمنة الغربية. وفي أعقاب تمرّد فاغنر، عمل الكرملين على طمأنة شركائه الأفارقة بشأن استمرارية برامجه في مجال إدارة الصراعات. وترافق ذلك مع تركيز متزايد على توسيع الوجود العسكري الروسي في القارة، وتزويد سياسات إدارة الصراعات الروسية بأساس أيديولوجي أوضح.[11]
وبفضل النفوذ الذي اكتسبته موسكو خلال المرحلة السابقة، تمكّنت من تحقيق موضع مهيمن في المنطقة. وقد أدى ذلك، إلى جانب إعادة تشكيل بنية الحوكمة الأمنية الإفريقية، إلى تحوّل نوعي في ديناميات المنافسة، إذ أصبحت روسيا نفسها هدفاً لممارسات التنافس والاحتواء. ففي مطلع يوليو 2025، قام رودولف أتالا، مستشار الأمن ومكافحة الإرهاب في إدارة ترامب، بزيارة إلى مالي ليقدّم ما وصفه بـ “الحل الأمريكي” للنزاع القائم، وذلك بعد أن تكبّد الروس خسائر فادحة في تينزاواتين (2024). كما صرّح ويليام بي. ستيفنز، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون غرب إفريقيا، بإمكانية الاستثمار الأمريكي الخاص في المجال الأمني في محاولة لإقناع الأنظمة العسكرية في وسط الساحل بالتحوّل من موسكو إلى واشنطن مجدداً.[12]
الخلاصة
بعيدًا عن كونه نموذجًا ثابتًا، فإن نظام إدارة الصراعات الروسي يتميز بالمرونة والديناميكية. إن تطوّره استجابةً لعمليات تغيير النظام الدولي يشير إلى الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها المنافسة على المنافس نفسه، وهو ما يشكّل موضوعًا بحثيًا مثيرًا وغير مطروق بعد. أما بالنسبة لصنّاع السياسات، فإنّ ذلك يستوجب رفع مستوى الوعي بالمخاطر المترتبة على تبنّي رؤية ضيقة عند تفسير عمليات المنافسة أو ديناميات النظام العالمي عمومًا، والتي لا تزال بعيدة عن أن تصبح أكثر وضوحًا أو قابلية للفهم. لقد انتقلت روسيا من محاكاة العقائد الغربية إلى مواجهتها سرًّا، ثم إلى تقديم نفسها علنًا بوصفها حامية للسيادة في مواجهة ما تصفه بـ “الاستعمار الجديد” الغربي، مستفيدةً من الفرص التي أتاحها النظام المعقّد الذي أسهمت هي ذاتها في تشكيله. ويشكّل ذلك تحذيرًا ضمنيًا لأولئك الذين ينظرون إليها على أنها قوة تخريبية فحسب.
بيان إخلاء المسؤولية:
الآراء والمواقف الواردة في سلسلة منشورات قسم “آراء ورؤى” تعبّر عن وجهات النظر الشخصية للكتّاب، ولا تعكس بالضرورة السياسات أو المواقف الرسمية لمركز ربدان للأمن والدفاع أو أي من المؤسسات التابعة له أو لأي جهة حكومية. والمحتوى المنشور يهدف إلى توفير معلومات عامة ويعكس وجهات نظر شخصية حول قضايا متعلقة بالأمن والدفاع.
[1] Timbuktu Institute (2025). Russia’s repositioning in the Sahel: From Wagner to Africa Corps. Report, Dakar, Senegal. Retrieved from: from https://timbuktu-institute.org/index.php/toutes-l-actualites/item/1262-report-russia-s-repositioning-in-the-sahel-from-wagner-to-africa-corps.
[2] Lewis, D. (2022). Contesting liberal peace: Russia’s emerging model of conflict management, International Affairs, Volume 98(2):653–673.
[3] Kobayashi, K., Krause, K., & Yuan, X. (2022). Pathways to socialisation: China, Russia, and competitive norm socialisation in a changing global order. Review of International Studies, 48(3):560–582. doi:10.1017/S0260210522000146.
[4] Karagiannis, E. (2014) The Russian Interventions in South Ossetia and Crimea Compared: Military Performance, Legitimacy and Goals, Contemporary Security Policy, 35(3):400-420, DOI: 10.1080/13523260.2014.963965.
[5] Beaujouan, J. (2025) Power Peace: The Resolution of the Syrian Conflict in a Post-Liberal Era of Peacemaking, Journal of Intervention and Statebuilding, 19(3):309-328, DOI: 10.1080/17502977.2024.2371713.
[6] Lovotti, C. (2022). “Conflict management” à-la-russe in the Middle East and Africa. Istituto per gli Studi di Politica Internazionale - ISPI. https://www.ispionline.it/en/publication/conflict-management-la-russe-middle-east-and-africa-36665.
[7] Spearin, C. (2024) Russia’s Wagner Group/Africa Corps: an authoritarian conflict management examination, Conflict, Security & Development, 24:5, 479-499, DOI: 10.1080/14678802.2024.2415659.
[8] Baldaro, E., & Strazzari, F. (2025) Strategic misalignment: European security and P/CVE engagement in the Sahel, Mediterranean Politics, 30(3):639-649, DOI: 10.1080/13629395.2023.2289795.
[9] Maddocks, J. (2023). Putin admits to funding the Wagner Group: Implications for Russia’s state responsibility. Lieber Institute West Point. https://t.ly/NGkUR.
[10] Lechner, J. A. & Eledinov, S. (2024). Is Africa Corps a Rebranded Wagner Group? Foreign Policy, February 7, 2024
[11] Audinet M. (2025). ‘Down with neocolonialism!’ Strategic narrative resurgence and foreign policy preferences in wartime Russia. European Journal of International Security. Published online. doi:10.1017/eis.2025.10011.
[12] France 24. (2025, August 25). Washington trades military support to sahel juntas for access to mineral wealth. France 24.https://www.france24.com/en/americas/20250825-washington-extends-offer-of-military-support-to-sahel-junta-regimes




