عندما عطّلت شركات التأمين شريان الخليج التجاري: ماذا تعني أزمة هرمز لدولة الإمارات العربية المتحدة

في 2 مارس 2026، علّقت شركة ميرسك بشكل كامل قبول جميع الشحنات من وإلى دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والعراق والكويت وقطر والبحرين والمملكة العربية السعودية. وقامت شركة هاباغ-لويد بفرض رسم مخاطر الحرب بقيمة1,500 دولار أمريكي لكل حاوية. كما تبعتها شركة CMA CGM، ثالث أكبر شركة شحن حاويات في العالم، بفرض رسم إضافي طارئ مرتبط بالنزاع بقيمة 2,000 دولار أمريكي. وخلال 48 ساعة، أُعيد تسعير البنية التجارية التي تربط الخليج بسلاسل الإمداد العالمية أو تقييدها أو إيقافها - ليس بفعل القوة العسكرية، بل نتيجة قرارات شركات التأمين البحري في لندن وأوسلو التي ألغت تغطية مخاطر الحرب عن المنطقة بأكملها.

بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، كانت التداعيات فورية وملموسة. تم تجميد حجوزات الحاويات إلى ميناء جبل علي - أكبر مركز لإعادة الشحن المهيمن في الخليج وركيزة أساسية في الاقتصاد غير النفطي للدولة. كما تعرّض ميناء الفجيرة، المحطة الاستراتيجية لتجاوز مسار النفط التي أُنشئت لضمان استمرار تدفق الصادرات في حال تعطل مضيق هرمز، لهجوم بطائرات مسيّرة إيرانية في 4 مارس. امتد سحب التغطية التأمينية ليشمل سفن استيراد الغذاء، وشحنات السيارات، وحمولات الألمنيوم، وشحنات إعادة التصدير، كما شمل ناقلات النفط الخام، ذلك أن إلغاء التأمين لا يميّز بين السلع. وتبيّن أن نموذج التنويع الاقتصادي الذي بنته أبوظبي ودبي على مدى عقود - والقائم على مراكز لوجستية ومناطق حرة واتصال عالمي -مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمضيق واحد يبلغ عرضه 21 ميلًا، وباستعداد سوق واحدة لتوفير التغطية التأمينية للعبور عبره. وقد تاثر هذا الاستعداد بالحرب.

سلسلة التأثيرات التأمينية

كان التسلسل سريعًا. ارتفعت أقساط مخاطر الحرب خمسة أضعاف في أعقاب الضربات الجوية المنسّقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير، خلال ساعات - من 0.2% إلى 1% من قيمة هيكل السفينة - مما أضاف نحو 800,000 دولار أمريكي لكل رحلة لناقلة نفط عملاقة تقليدية. وبحلول 1 مارس، ألغت عدة أندية رئيسية للحماية والتعويض (P&I – Protection & Indemnity) تغطية مخاطر الحرب بالكامل، من بينها: نادي جارد ونادي اسكلد في النرويج، ونورث ستاندرد في بريطانيا، ونادي لندن للحماية والتعويض، والنادي الأمريكي في نيويورك. وفي 3 مارس، وسّعت اللجنة المشتركة لمخاطر الحرب التابعة لـ لويدز نطاق التصنيف عالي المخاطر ليشمل المياه المحيطة بالبحرين وجيبوتي، والكويت، وعُمان وقطر. وبذلك أصبح الخليج العربي بأكمله منطقة نزاع وفقًا لمعايير الاكتتاب التأميني. وانخفضت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بأكثر من 90%.

النقطة الجوهرية بالنسبة للأطراف المعنية في دولة الإمارات العربية المتحدة هي التمييز بين العبور المكلف والعبور المستحيل. فزيادة الأقساط تمثل تكلفة يمكن استيعابها أو تحميلها على العملاء. يمثّل إلغاء التغطية التأمينية حدثًا حاسمًا ذا طبيعة ثنائية: فبدون تغطية الحماية والتعويض (P&I)، تُحرم السفينة من دخول الموانئ، ومن الوصول إلى التمويل، ومن إمكانية التأجير. وعندما تُلغي عدة أندية تغطيتها في الوقت ذاته، لا تتم إعادة تسعير السفن - بل يتم إخراجها بالكامل من مسار التجارة.

مكامن التعرّض الثلاثية لدولة الإمارات العربية المتحدة

كشفت الأزمة أن دولة الإمارات تواجه ثلاث تحديات متميزة لكنها مترابطة، تعمل جميعها عبر نفس نقطة الاختناق الاستراتيجية.

تم استهداف مسار تجاوز النفط بشكل مباشر. فقد تم إنشاء خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام إلى الفجيرة كضمان استراتيجي لمثل هذا السيناريو تحديدًا - أي لتصدير النفط دون المرور عبر مضيق هرمز. لكن،وفقاً لكيت دوريَن في مجلة MEES فإن الضربات الإيرانية على مرافق التخزين والتزويد بالوقود في الفجيرة في 4 مارس أثبتت أن بنية التجاوز نفسها لا تزال عرضة للتهديد. ولم تُدمّر الضربة خط الأنابيب، لكنها أثّرت على عمليات المحطة التي تُمكّنه من العمل كمسار تصدير فعّال. كما تُعد الفجيرة مركز التزويد بالوقود البحري الرئيسي في المنطقة؛ وقد أدى تعطّلها إلى تأثيرات متسلسلة على عمليات تزويد السفن بالوقود وخدماتها في منطقة جنوب الخليج. والدرس المستفاد هنا واضح وغير مريح: البنية التحتية للتجاوز لا توفر مرونة استراتيجية إذا بقيت ضمن نطاق تهديد الخصم الذي يسيطر على نقطة الاختناق.

ولا يوجد أي مسار بديل لإعادة شحن الحاويات. يُعد ميناء جبل علي تاسع أكبر ميناء حاويات في العالم ومركز إعادة الشحن المهيمن في الخليج. ويُكمله ميناء خليفة كميناء عميق المياه. ويعتمد كلاهما بالكامل على دخول وخروج السفن عبر مضيق هرمز. وعلى خلاف النفط الخام، الذي يمكن تحويل مساره جزئيًا عبر خطوط الأنابيب،  لا يوجد بديل بري لحركة الحاويات. وعندما علّقت شركة ميرسك قبول الشحنات عبر الخليج، لم تتوقف ناقلات النفط فقط - بل توقفت أيضًا السلع المصنعة، والمنتجات الاستهلاكية، وإعادة التصدير، والمكونات الوسيطة التي تمر عبر البنية اللوجستية لدولة الإمارات وتشكل أساس ناتجها المحلي غير النفطي. وتبيّن أن استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تبنتها أبوظبي ودبي على مدى عقود مرتبطة هيكليًا بنفس نقطة الاختناق التي صُممت لتكميل اقتصاد النفط.

سوق التأمين لا يميّز بين السلع. فعندما تقوم أندية الحماية والتعويض بإلغاء تغطية مخاطر الحرب لمنطقة ما، فإن الإلغاء يشمل بالتساوي ناقلات النفط الخام، وناقلات الغاز الطبيعي المسال، وسفن الحاويات، وسفن البضائع السائبة، وناقلات المركبات. ولا توجد أي استثناءات وفقاً للقطاعات. تستند أعمال إعادة تصدير السيارات، وتجارة الألمنيوم والمعادن، وسلاسل توريد الغذاء، ودور دولة الإمارات كمركز توزيع خليجي للشركات متعددة الجنسيات، إلى توفر وصول بحري مشمول بالتغطية التأمينية. ويمكن لقرار واحد في سوق التأمين أن يعطّل في ذات الوقت صادرات الطاقة، واللوجستيات المرتبطة بالحاويات، والأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد الصناعية - وهو نطاق تأثير لا يمكن لأي عمل عسكري تقليدي تحقيقه بالكفاءة ذاتها.

دول الخليج والمخاطر المقارنة

ورغم أن تعرّض دولة الإمارات كبير، إلا أنه ليس الأشد بين دول المنطقة. فالكويت لا تمتلك خط أنابيب بديل ولا خيارات لإعادة الشحن؛ وتعتمد قدرتها التصديرية بالكامل على مضيق هرمز، بما في ذلك المنتجات المكررة من مصفاة الزور التي زوّدت أوروبا بعد فقدان الإمدادات الروسية. أما العراق، فإن صادراته التي تبلغ 3.4 مليون برميل يوميًا تمر بشكل شبه كامل عبر موانئ جنوب الخليج؛ وكان قد أغلق بالفعل جزءًا من حقل الرميلة بحلول 3 مارس. وتعرض إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر في رأس لفان لهجوم مباشر. وتحتفظ المملكة العربية السعودية بأكبر قدرة على التجاوز، حيث يمكن لخط أنابيب الشرق - الغرب إلى ينبع نقل 5 ملايين برميل يوميًا، قابلة للزيادة إلى 7 ملايين، إلا أن صادرات البحر الأحمر تظل عرضة لاحتمال استئناف هجمات الحوثيين. تحتل دولة الإمارات موقعًا متوسطًا: فهي تملك بدائل أكثر من الكويت والعراق، ولكن أقل من المملكة العربية السعودية، فيما يُظهر نموذجها الاقتصادي درجة أعلى من التعرّض لاضطرابات الحاويات مقارنة ببقية دول المنطقة.

معضلة الضمان السيادي الاحتياطي

في 3 مارس، أعلن الرئيس ترامب أن مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية ستوفر تأمينًا ضد المخاطر السياسية للتجارة البحرية في الخليج، إلى جانب مرافقة بحرية. وقد استجاب السوق لذلك: حيث انخفضت عقود الشحن الآجلة لناقلات النفط العملاقة (VLCC) عقب الإعلان. غير أن هذه الواقعة تثير تساؤلًا ينبغي على صانعي السياسات في الخليج النظر فيه بعناية. إن الاعتماد على ضامن سيادي خارجي واحد لتأمين الوصول البحري إلى الموانئ الوطنية يُدخل نوعًا مختلفًا من الثغرات. فالتأمين المدعوم من الحكومة الأمريكية يعتمد على إرادة سياسية قد تتغير تبعًا للدورات الانتخابية أو المفاوضات الدبلوماسية أو إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية. وقد تم تقديم هذا الضمان بعد 72 ساعة من اندلاع الأزمة؛ ويمكن تعديله أو سحبه بالسرعة ذاتها. وبالنسبة لدولة الإمارات، يتمثل السؤال فيما إذا كان بإمكان آلية تأمين إقليمية - ربما من خلال مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو عبر ترتيبات ثنائية - أن توفر وصولًا أكثر استدامة إلى التغطية البحرية مقارنة بالاعتماد الظرفي على واشنطن.

أولويات السياسات لدولة الإمارات العربية المتحدة

تشير أزمة مضيق هرمز إلى خمس مجالات تتطلب اهتمامًا فوريًا من صانعي السياسات والمخططين الأمنيين في دولة الإمارات.

أولًا، دمج مؤشرات سوق التأمين ضمن تقييم المخاطر على المستوى الوطني. فقد ارتفعت أقساط مخاطر الحرب لمضيق هرمز بنسبة 60% فوق خط الأساس لعام 2024 بحلول منتصف عام 2025، أي قبل أشهر من الضربات. وتُعد تعاميم اللجنة المشتركة لمخاطر الحرب (JWC) وإشعارات أندية الحماية والتعويض (P&I) مصادر استخبارية متاحة للجميع. وعند دمجها مع قدرات مراقبة “الأساطيل الظلية” الجاري تطويرها، فإن تتبّع أقساط مخاطر الحرب الإضافية (AWRP) من شأنه أن يمنح المخططين الأمنيين في دولة الإمارات إنذارًا مبكرًا بشأن تعطّل نقاط الاختناق الاستراتيجية مقارنة بالمؤشرات التقليدية.

ثانيًا، تعزيز حماية الفجيرة لمواجهة الاستهداف المباشر. فخط الأنابيب البديل لا يكون أكثر مرونة من البنية التحتية للمحطة التي يعتمد عليها. ويجب التعامل مع الدفاع الجوي، والتخزين الاحتياطي، وقدرات التزويد بالوقود الموزعة كأصول للأمن الوطني الحيوي، وليس كمرافق تجارية فقط.

ثالثًا، اختبار قدرة شبكة لوجستيات الحاويات على الصمود في حال سحب التغطية التأمينية. ينبغي على ميناء جبل علي وميناء خليفة نمذجة سيناريوهات يتم فيها إلغاء تغطية الحماية والتعويض لمنطقة الخليج لمدة 30 و60 و90 يومًا. ما التكلفة الاقتصادية؟ وما الترتيبات البديلة - مثل إعادة الشحن المؤقت عبر صلالة أو جدة أو موانئ شرق أفريقيا - التي يمكن أن توفر بدائل جزئية؟

رابعًا، استكشاف تنسيق إقليمي في مجال التأمين. إن انكشاف دول مجلس التعاون الخليجي بشكل جماعي على اضطرابات مضيق هرمز يرسّخ مصلحة مشتركة في إنشاء مرفق إقليمي لمخاطر الحرب قادر على تقديم تغطية انتقالية عند تراجع السوق التجارية

خامسًا، التعامل مع مرونة سلاسل إمداد الغذاء بوصفها وظيفة من وظائف الأمن الوطني. تستورد دولة الإمارات نحو 90% من غذائها. في حال التأمين البحري في منطقة الخليج، تواجه سفن استيراد الغذاء نفس تداعيات سحب التغطية التأمينية التي تطال ناقلات النفط. وعليه، ينبغي تقييم الاحتياطيات الغذائية الاستراتيجية، وعقود التوريد المسبقة عبر مسارات لا تمر عبر مضيق هرمز، وتنويع مصادر الإمداد، في ضوء تجربة مارس 2026.

لقد أظهرت أزمة عام 2026 أن الأمن الاقتصادي لدولة الإمارات يعتمد جزء منه في استدامته على استعداد سوق التأمين لتغطية السفن العابرة لمضيق هرمز. وقد تاثر هذا الاستعداد. والسؤال المطروح أمام صانعي السياسات ليس ما إذا كان ذلك سيتكرر، بل ما إذا كانت دولة الإمارات ستكون أكثر استعدادًا عندما يحدث ذلك.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙