أساطيل الظل: كيف تحوّل نظام شحن موازٍ إلى خطر أمني استراتيجي

في أعقاب فرض عقوبات واسعة النطاق في مجالي الطاقة والتمويل، ظهر نظام بحري موازٍ خارج نطاق الرقابة التقليدية، يُعرف بما يُسمّى أساطيل "الظل" أو "الظلام". وما بدأ كحلّ ارتجالي للالتفاف على القيود، تطوّر ليصبح شبكة منظّمة من السفن القديمة تعمل عبر هياكل ملكية غامضة، وأعلام متساهلة، وتأمين غير منتظم، وتتبع متقطع. ولم يعد هذا الأمر مسألة هامشية تتعلق بالامتثال، بل باتت أساطيل الظل تُشكّل تحدياً هيكلياً واسع النطاق؛ إذ تُضعف إنفاذ العقوبات، وتزيد من مخاطر السلامة البحرية والبيئية، وتُقوّض تدريجياً الثقة في النظام البحري القائم على القوانين (الضوابط).

كيف تتشكّل أساطيل الظل

تنشأ أساطيل الظل عند تقاطع حوافز اقتصادية قوية مع ضعف الحوكمة. فقد أدّت العقوبات المفروضة على كبار مُصدّري السلع الأساسية - ولا سيما روسيا وإيران وفنزويلا - إلى خروج مُلّاك السفن التقليديين، وشركات التأمين، والمستأجرين، وهيئات التصنيف من الأنشطة التجارية الخاضعة للعقوبات. وفي هذا المجال، يتقدّم مشغّلون غير تقليديين على استعداد لتحمّل المخاطر القانونية والتشغيلية مقابل تحقيق هوامش ربح مرتفعة.

تبدأ العملية عادةً بشراء سفن قديمة (في نهاية العمر التشغيلي). إذ يتم اقتناء ناقلات النفط وسفن البضائع السائبة (غير المعبأة) القديمة، التي غالباً ما تكون على وشك بلوغ نهاية عمرها التشغيلي، بأسعار مخفّضة، في حين كان من المفترض أن يُصار إلى تفكيك الكثير منها. ويؤدي تقدّم عمر هذه السفن مباشرةً إلى زيادة احتمالات الأعطال الميكانيكية، وحوادث التصادم، وحوادث التلوّث.

يتم بعد ذلك إخفاء الملكية عمداً. إذ تُدرج السفن ضمن هياكل شركات متعددة المستويات تشمل شركات صورية مسجَّلة في ولايات قضائية ذات متطلبات إفصاح ضعيفة. كما يُجزّأ التحكم بين المديرين والمُلّاك الاسميين والوسطاء، بما يُعقّد محاولات تحديد المستفيدين الحقيقيين أو فرض المساءلة.

يتعزز هذا الغموض من خلال التغيير المتكرر لأعلام السفن . إذ يُعاد تسجيل السفن مراراً تحت أعلام دول ملائمة توفر حدّاً أدنى من التحقق أو العناية الواجبة أو تطبيق المعايير الدولية. وتقوّض هذه التغييرات المستمرة في الأعلام القدرة على تحديد المسؤولية القضائية، وتُضعف قدرة أي سلطة منفردة على ممارسة الرقابة الفعّالة.

عملياً، تعتمد أساطيل الظل على ممارسات شحن خادعة راسخة، مثل تعطيل أو تزوير إشارات نظام التعريف الآلي (AIS)، وإجراء عمليات نقل من سفينة إلى أخرى (STS) في المياه الدولية، وتوجيه السفن عبر مسارات عبور معقدة لإخفاء مصدر وشحنة البضائع ووجهتها. وبحلول منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أصبحت هذه الممارسات روتينية إلى درجة دفعت شركات التأمين والبنوك وفرق الامتثال إلى التعامل مع نشاط أساطيل الظل كفئة دائمة من المخاطر العالمية، وليس مجرد استجابة استثنائية للعقوبات.

الغاية والعائد (المردود)

الغاية من أساطيل الظل واضحة ومباشرة: ضمان استمرار تصدير السلع الخاضعة للعقوبات والحفاظ على تدفقات الإيرادات. وعملياً، يعني ذلك التحايل على سقوف الأسعار - كما في حالة النفط الروسي - والحفاظ على الوصول إلى الأسواق العالمية رغم القيود الرسمية.

تلعب عمليات نقل البضائع من سفينة إلى أخرى في المياه الدولية دوراً محورياً. إذ تُنقل الشحنات، وغالباً ما يُمزج محتواها بين السفن، بهدف طمس مصدرها الفعلي و"تبييض" السلع الخاضعة للعقوبات. ويحقق التجار أرباحاً من شراء البراميل المخفَّضة السعر، في حين يحقق مالكو السفن المتقادمة عائداً نهائيًا ومجزياً من أصول كانت، لولا ذلك، على وشك الخروج من الخدمة.

رغم تشديد إجراءات الإنفاذ، لا تزال العوامل الاقتصادية قوية للغاية. ففي ذروتها، أشارت التقديرات إلى أن أسطول الظل من ناقلات النفط لا يتجاوز بضعة آلاف، أي ما يقارب خُمس القدرة العالمية للناقلات. وحتى مع تباطؤ النمو في عامي 2024–2025 نتيجةً لتشديد القيود وتقلص عدد السفن المناسبة، تكيّف النظام من خلال التغيير المستمر، وإعادة التوجيه، والاستبدال، بدلًا من الاختفاء.وكانت النتيجة مرونةً بدلًا من التراجع.

الثغرات القانونية والتنظيمية

تقوم الحوكمة البحرية الدولية على اتفاق أساسي: حيث تمارس الدول التي تم تسجيل السفينة باسمها السلطة القضائية، بينما تضمن دول الموانئ الامتثال. وتقدّم شركات التأمين وهيئات التصنيف حوكمة خاصة عبر الامتناع عن تقديم الخدمات للسفن غير المطابقة للمعايير. وتعمل أساطيل الظل على تقويض كل واحدة من هذه الركائز.

يكمن أحد نقاط الضعف الرئيسية في غياب "رابط حقيقي" قابل للتنفيذ بين السفينة ودولة العلم. فبينما يفرض القانون الدولي وجود مثل هذا الرابط، يتعامل العديد من سجلات السفن مع تسجيل السفن كخدمة تجارية، مع إجراء فحوصات محدودة للتحقق من الملكية أو السلامة التشغيلية. ويتيح ذلك إمكانية إعادة تسجيل اسم دولة العلم بسرعة وإجراء رقابة سطحية على السفن.

تشكل شركات التأمين وهيئات التصنيف ثغرة أخرى. فعلى الرغم من أن التغطية التأمينية لمسؤولية التلوث إلزامية بموجب الاتفاقيات الدولية، إلا أن أساطيل الظل غالبًا ما تعتمد على شركات تأمين غير موثوقة أو مدعومة من الدولة، بقدرة محدودة على تحمل تكاليف الحوادث الكبرى. وفي حال حدوث تسرب أو تصادم، تصبح المسؤولية محل نزاع، مما يعرض الدول الساحلية لمنازعات قانونية طويلة الأمد وأضرار مالية وبيئية جسيمة.

يتزايد ضعف الإنفاذ بسبب التجزئة. فالعقوبات تُفرض على المستوى الوطني أو على مستوى التكتلات. تتفاوت رقابة دول العلم، التي تُسجل السفن باسمها رسميًا،بشكل كبير، وتتباين قدرة دول الموانئ على الرقابة، في حين لا توجد جهة واحدة تحتفظ بصورة شاملة وفورية لنشاط أساطيل الظل. وتتيح التغييرات المستمرة في أعلام السفن العمل في المساحات الرمادية بين الأنظمة القانونية المختلفة.

المخاطر الأمنية والسلامة والبيئية

تمتد المخاطر التي تشكّلها أساطيل الظل إلى ما هو أبعد من مجرد الالتفاف على العقوبات. أولاً، فهي تُضعف فعالية الإكراه الاقتصادي؛ فحين يستطيع المصدرون الخاضعون للعقوبات نقل البضائع والشحنات بشكل موثوق عبر شبكات بحرية خارج نطاق الرقابة، تتراجع قيمة العقوبات الردعية، ما دفع جهود الإنفاذ الأخيرة للتركيز بشكل متزايد على الوسطاء بدلاً من البضائع والشحنات وحدها.

ثانياً، تُفاقم أساطيل الظل بشكل كبير من مخاطر السلامة البحرية والبيئية. فالسفن القديمة والمُهملة التي تعمل دون تأمين من الدرجة الأولى أو تصنيف موثوق تكون أكثر عرضة لحوادث التصادم والجنوح والأعطال الهيكلية. كما أن أي تسرب كبير قد تكون له عواقب كارثية، مع احتمال استمرار النزاعات حول التنظيف والتعويض لسنوات عديدة.

ثالثاً، يتيح الغموض الذي يكتنف هذه السفن استغلالها في تهديدات هجينة. فمن خلال العمل تحت غطاء تجاري وبفضل هياكل الملكية المعقدة، يُشتبه في قيام سفن أساطيل الظل بأعمال مراقبة أو تدخل محتمل في البنية التحتية البحرية الحيوية مثل خطوط الأنابيب وكابلات الاتصالات. ويصعّب تحديد المسؤولية في مثل هذه الحالات، ما يمنح الجهات الفاعلة من الدول إمكانية الإنكار المعقول ويُعقّد خيارات الرد.

وتصبح هذه المخاطر أكثر حدة في البيئة البحرية للخليج. فكثافة حركة الملاحة البحرية، والقرب من البنية التحتية للطاقة، والاعتماد على نقاط التحكم في الملاحة البحرية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، تزيد من عواقب أي حادث أو اضطراب أو نشاط خفي. وبالنسبة لدول الخليج التي يعتمد أمنها الاقتصادي على استمرارية التدفقات البحرية، تتداخل عمليات أساطيل الظل مباشرة مع المخاوف المتعلقة بالوعي بالمجال البحري، والتهديدات الهجينة، وحماية البنية التحتية.

أمثلة توضيحية

يظل المثال المعاصر الأبرز هو أسطول الظل الذي يخدم صادرات النفط الروسية بعد اندلاع الحرب الروسية‑الأوكرانية عام 2022 وتطبيق آليات تحديد سقف الأسعار. فقد استحوذت جهات مجهولة على مئات ناقلات النفط القديمة لنقل النفط الخام بكميات تتجاوز سقف السعر المسموح به، وغالباً ما استخدمت هذه السفن عمليات النقل من سفينة إلى أخرى قرب جبل طارق، وسبتة، وخليج لاكونيا في اليونان. وقد مكّنت هذه الممارسات روسيا من الحفاظ على عائدات نفطية كبيرة على الرغم من العقوبات الغربية.

ويمكن إيجاد سوابق مماثلة في إيران وفنزويلا، حيث كانت السفن تُعطّل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بنظام التعريف الآلي (AIS) لتحميل البضائع في الموانئ الخاضعة للعقوبات قبل الظهور مرة أخرى في مكان آخر لتفريغ حمولتها. وتوضح هذه الحالات كيف يمكن لضغوط العقوبات المستمرة، في غياب تنسيق شامل في مجال الإنفاذ، أن تُحفّز نمو الأنظمة البحرية الموازية بدلاً من وقف التجارة تمامًا.

سبب نجاح أساطيل الظل

تنجح أساطيل الظل من خلال استغلال الخصائص الهيكلية للشحن العالمي، مثل التجزئة القضائية، والتنافس بين سجلات السفن، والاعتماد على الحوكمة الخاصة عبر التأمين وهيئات التصنيف. وعند دمج ذلك مع الحوافز الاقتصادية القوية والغموض الكامن في التقنيات التعاونية مثل نظام التعريف الآلي (AIS)، يصبح تطبيق العقوبات مسألة للتكيف المستمر لا للقضاء على المشكلة.

ومن الأهمية بمكان  دور المستوردين . فعندما يقبل كبار المستوردين مخاطر أعلى تتعلق بالسلامة والشفافية مقابل الحصول على إمدادات أرخص، يظل النظام قابلاً للاستمرار. وبدون تنسيق مستدام من جانب المستوردين، ستستمر أساطيل الظل في التطور بوتيرة أسرع من قدرة نظم الإنفاذ على تفكيكها.

الآثار السياسية والتنظيمية

يجب التعامل مع أساطيل الظل ليس كحالة استثنائية تتعلق بالعقوبات، بل كتحدٍّ طويل الأمد للأمن البحري. وتتطلب الاستجابات الفعّالة التحوّل من إنفاذ العقوبات على أساس كل سفينة على حدة إلى ردع منهجي شامل. ويشمل ذلك: دمج بيانات العقوبات مع أدوات الوعي بالمجال البحري، وتشديد متطلبات دول العلم ودول الموانئ، وتفعيل دور الجهات الرقابية الخاصة بشكل كامل، مثل شركات التأمين والبنوك وتجار السلع.

بالنسبة لدول الخليج على وجه الخصوص، فإن المخاطر السياسية والتنظيمية جسيمة. وتشمل الخطوات الأساسية: تعزيز التنسيق الإقليمي بشأن رقابة دول الموانئ، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول ممارسات الشحن الخادعة، وإدراج مخاطر أساطيل الظل ضمن استراتيجيات أوسع نطاقًا لحماية البنية التحتية والمجال البحري. فبدون هذه التدابير، ستستمر أساطيل الظل في تقويض أنظمة العقوبات، وتفاقم المخاطر البيئية والأمنية، وإضعاف مصداقية النظام البحري القائم على القواعد الذي يعتمد عليه الأمن الاقتصادي العالمي والخليجي.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙