مقدمة
يشهد الشرق الأوسط مرحلة من الاضطرابات الجيوسياسية العميقة، ما يجبر القوى الإقليمية والعالمية على إعادة تقييم أسس تحالفاتها العسكرية والدفاعية.
في هذا المشهد المتغير، يبرز تعميق الشراكة العسكرية بين مصر، الفاعل الإقليمي المحوري، والصين، القوة العالمية الصاعدة، كمؤشر على تحولات استراتيجية أوسع. تستعرض هذه الدراسة التحليلية السياق الهيكلي للعلاقة الدفاعية بين الصين ومصر، وتتناول الدراسة بعمق الحسابات الاستراتيجية التي تحرك توجه بكين العسكري نحو القاهرة، كما تستكشف دوافع مصر في تبني التكنولوجيا العسكرية والقدرات الدفاعية الصينية، وتقيّم التداعيات المحتملة لهذه الشراكة المتطورة على ميزان القوى والتوازنات الأمنية في منطقة تشهد تصاعدًا متزايدًا في التقلبات.
تحولات هيكلية في النظام الإقليمي للشرق الأوسط وسط تزايد النفوذ الصيني
تعكس الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط تفكك أنماط الاستقرار التقليدية وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية، نتيجة لتصاعد المنافسة الجيوسياسية بين الأطراف الرئيسية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وتأتي هذه التحولات كنتيجة مباشرة لسلسلة من الصدمات الجيوسياسية المتداخلة، بدءًا من التداعيات الواسعة لهجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، والذي أحدث تحولات استراتيجية وسياسية في عدة ساحات بالمنطقة، أبرزها غزة وجنوب لبنان ومرتفعات الجولان في سوريا. وتفاقمت هذه الأوضاع بفعل التوترات المستمرة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، التي بلغت ذروتها مؤخرًا في تصعيدات عسكرية شملت إيران.
هذا وتسعى القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، إلى توسيع نفوذها الأمني الجيوسياسي وفرض واقع استراتيجي جديد من خلال تعزيز قدراتها العسكرية والانخراط في ترتيبات أمنية معقدة تتجاوز الحدود الوطنية وتمتد إلى دوائر إقليمية مجاورة. بالتوازي مع هذا المسار، يتزايد تدخل القوى العالمية في المنطقة، وعلى رأسها الصين. تحولت الصين استراتيجيًا من شريك اقتصادي فقط في الشرق الأوسط إلى لاعب سياسي وأمني نشط بشكل متزايد.
وقد عبّر وزير الخارجية الصيني وانغ يي بوضوح عن الطموح الصيني المتجدد لتعميق العلاقات مع الدول العربية [[1]] خلال كلمته في المؤتمر الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني-العربي، حيث أكد أن «الصين مستعدة للعب دور أكبر سياسيًا وأمنيًا مع الدول العربية، وتدعم جهودها في مواجهة تحدياتها بطريقة تحترم مصالحها وتعزز التنمية المستدامة».
تسعى الصين إلى لعب دور أكبر في إعادة تشكيل النظام الدولي من خلال مبادراتها الثلاث الرئيسية: مبادرة الأمن العالمي (GSI)، ومبادرة التنمية العالمية (GDI)، ومبادرة الحضارة العالمية (GCI)، ومواصلة سعيها نحو اقتصاد مرتكز على التكنولوجيا المتقدمة والابتكار.
ونظرًا لأن مبادرة الأمن العالمي (GSI) تمتد إلى الشرق الأوسط، نجحت الصين في التوسط لمصالحة بين السعودية وإيران في مارس 2023، مما أدى إلى موجة أوسع من التقارب الإقليمي.
كما أصدرت ورقة أعربت فيه عن موقفها تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وساعدت في تسهيل الحوار بين الفصائل الفلسطينية في بكين، مما شكّل خطوة مهمة نحو دفع جهود السلام والاستقرار في المنطقة. [[2]] من المتوقع أن تظل علاقة بكين بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ذات أهمية استراتيجية في المستقبل المنظور. وترى الصين في المنطقة منصة لعرض نجاح "النموذج الصيني" في الحكم والتنمية الاقتصادية والتعددية، لا سيما أمام دول الجنوب العالمي.
تعتمد استراتيجية الصين الحالية تجاه الشرق الأوسط على أربعة ركائز استراتيجية رئيسية:[[3]]
- تحقيق النهضة الوطنية وضمان أمن النظام - يشمل ذلك دعم النموذج الاقتصادي الصيني، وتأمين إمدادات الهيدروكربونات، وتعزيز الأهداف الاستراتيجية من خلال المرونة المالية، وتعميق التعاون الأمني والدفاعي مع دول المنطقة.
- بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يركز على مصالح الصين وقيمها - وذلك عبر توسيع مشاركة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنتديات والمؤسسات متعددة الأطراف القائمة لتعزيز مكانة الصين ونفوذها.
- ترسيخ مكانة الصين كقائد أخلاقي في الجنوب العالمي - تطمح الصين إلى تحقيق ذلك بشكل رئيسي من خلال دعم رمزي وخطابي يعزز مكانتها وقيمها على الصعيد الدولي.
- عرض نجاح النموذج الصيني - تسعى الصين لإظهار أن نظامها يمثل بديلاً فعّالاً وقابلًا للتطبيق للنماذج الغربية للحكم والتنمية.
في هذا السياق، شكلت وساطة بكين بين إيران والسعودية في مارس 2023، والتي توجت ببيان ثلاثي عن [[4]] الاتفاق على تطبيع العلاقات بين البلدين، نقطة تحول مهمة. أظهرت الصين قدراتها وقوتها الناعمة من خلال بناء توافق عبر دبلوماسية متعددة المسارات في منطقة تتسم بتعقيدات متزايدة، مما أكسبها قبولًا واسعًا، حتى من قبل الأطراف المتنافسة. وهذا منح بكين شرعية إقليمية ناشئة تمتد إلى ما هو أبعد من المجال الاقتصادي إلى المجال السياسي. وفتحت الصين أبوابًا جديدة للعب دور أكثر فاعلية في تشكيل السياسة الإقليمية، ما سيؤدي حتمًا إلى تحولات أمنية، مما يعزز مكانتها كقوة عالمية صاعدة ذات نفوذ متنامٍ في الديناميات الجيوسياسية والأمنية في الشرق الأوسط.
قفزة استراتيجية في التعاون العسكري بين مصر و الصين
تشترك مصر والصين في تاريخ طويل من التفاعل الحضاري يعود إلى آلاف السنين. في العصر الحديث، كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف رسميًا بجمهورية الصين الشعبية عام 1956، مما مهد الطريق لتعزيز العلاقات الصينية مع العالم العربي والقارة الأفريقية. وردًا على ذلك، قدمت الصين [[i]]دعمًا سياسيًا لمصر خلال أزمة قناة السويس، ولاحقًا دعمت جهود القاهرة لاستعادة أراضيها بعد نكسة 1967، التي شهدت احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء ومرتفعات الجولان. "
انطلاقًا من هذه الشراكة التاريخية، وقعت الصين ومصر [[6]اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة، أُطلقت رسميًا من خلال الرئيس شي جين بينغ والرئيس عبد الفتاح السيسي في 23 ديسمبر 2014 بقصر الشعب بالعاصمة بكين. وتمثل هذه الاتفاقية خطوة مهمة في تعزيز التعاون الثنائي عبر جميع القطاعات.
ظلّت العلاقات العسكرية بين البلدين محدودة نسبيًا، باستثناء [[7]]اتفاقية الإنتاج المشترك لطائرات التدريب الأساسية K-8 (JL-8)، التي وقعتها الهيئة العربية للتصنيع في مصر وشركة الصين الوطنية لاستيراد وتصدير تكنولوجيا الطيران (CATIC) عام 2000. ومن التطورات الملحوظة أيضًا إرساء المدمرة الصينية الموجهة بالصواريخ "شي آن" في[[8]] الميناء الرئيسي لمصر في الإسكندرية. على الرغم من وصف الحدث رسميًا بأنه “توقف فني” استمر لأربعة أيام، إلا أنه لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن السياق الأوسع. رست السفينة الحربية في ميناء تملكه شركتان صينيتان بنسبة تزيد على 80%[[9]]، هما "هاتشيسون بورتس" ومجموعة "يانتاي بورت" الحكومية في شنتشن، وبعد خمسة أيام فقط على ذلك، أُقيم تدريب بحري مشترك بين الصين ومصر. شاركت وحدات بحرية من كلا البلدين[[10]]، بما في ذلك السفينة شيآن، في تدريبات تهدف إلى دعم “الأمن البحري” وضمان سلامة “خطوط الاتصال البحرية” العالمية.
هذان التطوران يثيرا تساؤلات مهمة حول التداخل المتنامي بين نشاطات الصين التجارية في الموانئ وطموحات[[11]] القوات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبشكل خاص في جمهورية مصر العربية. على مر السنين، استخدمت الصين الموانئ الأجنبية التي تديرها شركات صينية لصيانة وإصلاح السفن الحربية تحت ستار "التوقف الفني" في عدة دول منها سريلانكا وتنزانيا وجيبوتي واليونان وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وإسبانيا، لكن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك في مصر.
كما أطلقت الصين ومصر أول تدريب جوي مشترك بينهما، بعنوان “نسور الحضارة 20259”، [[12]]في قاعدة وادي أبو الريش الجوية بجنوب مصر في الفترة من 19 أبريل وحتى أوائل مايو 2025.
ووفقًا لبيان صادر عن وزارة الدفاع الصينية، فقد اعتُبر [[13]]التدريب “ذو أهمية كبيرة لتعزيز التعاون العملي، وترسيخ الثقة المتبادلة، وتعميق الصداقة بين القوات المسلحة لكلا البلدين.”
تتجاوز أهمية هذه التدريبات أبعادها التعبوية والتدريبية المباشرة، لتكشف عن تغيرات في أنماط التفاعل الأمني في الشرق الأوسط وجهود الصين المحسوبة لتوسيع بصمتها العسكرية في منطقة تتسم بتنافس متصاعد بين القوى العظمى. يعزز استضافة مصر لهذه التدريبات مكانتها كلاعب محوري في ديناميات الأمن الإقليمي.
أحد الأبعاد الرئيسية للشراكة العسكرية المتطورة بين مصر والصين هو التركيز على المشاريع المشتركة ونقل التكنولوجيا. يعد الإنتاج المحلي [[14]]للطائرات المسيرة مثل Wing Loong-1D وASN-209، بدعم فني صيني، مثالًا بارزًا على هذا التعاون. يحظى نقل التكنولوجيا بأهمية بالغة بالنسبة لهدف مصر طويل الأمد المتمثل في تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب وبناء قطاع الصناعات الدفاعية بالاعتماد بصورة أكبر على الاكتفاء الذاتي. ومن خلال اكتساب القدرة على تصنيع معدات عسكرية متقدمة محليًا، يمكن لمصر تعزيز استقلاليتها الدفاعية وفتح آفاق محتملة لتصدير الأسلحة مستقبلاً.
تشير هذه التطورات إلى أن مصر تسير بسرعة نحو إعادة هيكلة شاملة لمنظومتها العسكرية عبر تنويع مصادر تسليحها والابتعاد تدريجيًا عن الاعتماد الحصري على حلفائها الغربيين التقليديين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. لم يعد هذا التحول الاستراتيجي مجرد خيار لتوسيع بدائل الدفاع، بل أصبح استجابة ضرورية لضغوط متزايدة، لا سيما تعثر صفقات الأسلحة الغربية الحيوية، أبرزها صفقة بيع طائرات F-15 المقاتلة الأمريكية، [[15]]التي لم تتحقق رغم وعود متكررة من واشنطن وسط قيود سياسية متزايدة على تصدير الأسلحة الأمريكية. قررت إدارة بايدن حجز 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر، من أصل 300 مليون دولار المخصصة تحت شروط معينة، حيث تم تجميد هذا المبلغ حتى تفي الحكومة المصرية بمتطلبات متعلقة بحقوق الإنسان.[[16]]
أثارت تقارير عن مفاوضات متقدمة بين القاهرة وبكين لشراء [[17]]مقاتلات صينية متطورة قلقًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتشمل هذه المقاتلات بحسب ما ورد الطائرة J-10CE، إلى جانب الطائرة الشبحية من الجيل الخامس J-35، التي تُوصف كثيرًا بأنها النظير الصيني المتقدم للطائرة الأمريكية F-35. كشف تقرير صادر في 9 أغسطس 2025 عن وسائل إعلام صينية متخصصة[[18]] عن تحول في استراتيجية التسلح المصرية، تمثّل في قرار القاهرة العدول عن شراء مقاتلات J-10CE المتطورة، رغم وصول المفاوضات مع بكين إلى مراحل متقدمة، واختيارها بدلًا من ذلك الحصول على طائرات مسيّرة بقيمة 400 مليون دولار. عزا التقرير هذا القرار في المقام الأول إلى القيود المالية، مشيرًا إلى أن ميزانية الدفاع السنوية لمصر تبلغ 4.5 مليار دولار فقط، وهي أقل بكثير من التكلفة المقدرة للصفقة التي تبلغ 8 مليارات دولار.
تفيد تقارير أخرى[[19]] إلى أن مصر تقترب من إبرام صفقة بحرية كبيرة مع الصين، تشمل اقتناء غواصات من طراز "يوان 039A"، وهي منصة حظيت باهتمام واسع في الأوساط العسكرية الدولية نظراً لقدراتها المتقدمة في التخفي وامتلاكها لمدى غوص طويل بفضل أنظمة الدفع المستقل عن الهواء (AIP). من شأن هذه القدرات البحرية أن تمنح القاهرة ميزة استراتيجية حاسمة، لا سيما في ظل احتدام التنافس الإقليمي في شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.
إعادة ترسيم العلاقات الاستراتيجية: ما الأهداف التي يسعى كل طرف لتحقيقها؟
وصل رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ إلى العاصمة المصرية، القاهرة، في 9 يوليو 2025، في زيارة تعكس قوة [[20]]وعمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتحمل رسائل سياسية واقتصادية في نفس الوقت.
وخلال الزيارة، أشار رئيس الوزراء الصيني لي إلى [[21]]تطور العلاقات الثنائية، قائلًا: "في السنوات الأخيرة، وبقيادة استراتيجية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينغ، شهدت العلاقات بين بلدينا نموًا ملحوظًا، واستمرار تعزيز الثقة السياسية المتبادلة." وأضاف أن الرئيسين توصلا إلى "تفاهمات هامة خلال لقائهما مرتين العام الماضي لتعزيز بناء مجتمع صيني-مصري ذو مستقبل مشترك في العصر الجديد."
وقد شهد عام 2024، الذي أُعلن عنه "عام الشراكة المصرية–الصينية"، [[22]]ترسيخًا للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين البلدين، حيث وقّع وفد من الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في سبتمبر عقودًا ومذكرات تفاهم بقيمة مليار دولار مع شركات صينية.
واختتم العام بزيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى بكين.[[23]]
وفي السنوات الأخيرة، سعت الصين إلى استثمار التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط للانتقال من دورها الاقتصادي التقليدي إلى حضور استراتيجي متعدد الأبعاد في الإقليم، يشمل شراكات أمنية وعسكرية وسياسية. ومن خلال هذه الاستراتيجية، تسعى بكين إلى استغلال تراجع الثقة الإقليمية في واشنطن وتقلبات سياساتها التسليحية، لتقديم نفسها كبديل موثوق في مجال التسليح المتطور، دون فرض شروط سياسية أو قيود بيروقراطية. وقد تجلى هذا التوجه في تعزيز التعاون في مجال الدفاع مع مصر.
وفي المقابل، يُعدّ التعاون مع مصر ساحة اختبار حيوية لقدرات الجيش الصيني في بيئات عملياتية معقدة، صحراوية وساحلية، خارج مسرح عملياته التقليدي في شرق آسيا،
وهو ما يتماشى مع [24]]عقيدة "البحار البعيدة" التي يتبناها جيش التحرير الشعبي. كما يأتي هذا التعاون ضمن استراتيجية مدروسة لتوسيع الحضور العسكري الصيني عالميًا، من خلال إنشاء أو استخدام نقاط دعم لوجستي في مناطق استراتيجية، بما يعزز من قدرة الصين على حماية مصالحها العابرة للحدود، خصوصًا في أوقات الأزمات.
يجب النظر إلى اهتمام الصين الكبير[[25]] بتعزيز علاقاتها مع مصر في إطار مبادرة الحزام والطريق الضخمة؛ .[[26]]حيث تقع مصر في الطرف الشمالي الشرقي لأفريقيا، وتعد بوابة حيوية للقارة، إذ تمثل قناة السويس ممرًا بحريًا حيويًا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر والمحيط الهندي. فضلًا عن ذلك، يُمثّل عدد السكان الكبير في مصر، الذي يتجاوز 100 مليون نسمة، سوقًا استهلاكية مهمة للبضائع الصينية، ما يفسّر ضخّ الصين لاستثمارات كبيرة في مشاريع بنية تحتية ترتبط مباشرة بالمبادرة.
وفي هذا السياق، فإن التقارب المصري–الصيني مدفوع بعدة اعتبارات استراتيجية، من أبرزها:
- أزمة غزة وسياسات اليمين الإسرائيلي - تتابع القاهرة عن كثب المقترحات المتداولة داخل الدوائر السياسية الإسرائيلية بشأن قضايا إعادة التوطين، وتؤكد أن أي ترتيبات محتملة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الأمن القومي المصري. وترى القيادة المصرية أن تنويع الشراكات الدولية، في ظل تغير مواقف بعض الأطراف، يمنح هامشًا أوسع للحركة السياسية ويحول دون الوقوع تحت ضغوط لا تتوافق مع الأولويات الاستراتيجية الوطنية. ومن أبرز تجليات هذا التوجه، تنظيم مصر التدريب الجوي المشترك "نسور الحضارة" مع الصين، بالتزامن مع ذروة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وتصاعد الدعوات داخل الحكومة الإسرائيلية لتهجير سكان القطاع. وقد حمل هذا التدريب رسالة واضحة مفادها أن القاهرة تتحرك لتعزيز شراكاتها مع قوى كبرى منافسة للولايات المتحدة، في خطوة تهدف إلى تعزيز استقلالية القرار الاستراتيجي، وحماية الدولة من الابتزاز السياسي أو الأمني خلال فترات الأزمات.
- معضلة سد النهضة الإثيوبي الكبير - تعتبر مصر سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)، أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا بسعة مخططة تبلغ 6450 ميجاوات، والذي يعتمد على نهر النيل الأزرق الذي يوفر حوالي 80% من المياه لمصر والسودان؛ في حين ترى إثيوبيا السدَّ مشروعًا تنمويًّا، بينما تخشى القاهرة والخرطوم أن يؤدي ملؤه وتشغيله إلى تهديد أمنهما المائي والغذائي، ما يجعل السدَّ قضيةً حيويةً مرتبطةً بأمن المياه في البلدين. وقد أدى التقدم المحدود في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز التنسيق بين أديس أبابا والقاهرة إلى دفع مصر لتطوير وتوسيع شراكاتها الدفاعية والأمنية ضمن نهج شامل يهدف إلى دعم القدرات الوطنية وحماية المصالح الاستراتيجية. ورغم امتلاك الصين نفوذاً كبيراً في إثيوبيا، فإن امتلاك مصر للأسلحة الصينية لا يعني بالضرورة وجود توجه نحو توجيه ضربة مباشرة للسد، بل يعزز من مساحة المناورة الاستراتيجية لديها، وتظل هذه المساحة مشروطة بالتنسيق مع بكين التي تسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من مصر وإثيوبيا.
- التهديدات الجيوستراتيجية المحيطة - تستدعي الأوضاع المتوترة في السودان وليبيا، إلى جانب جهود مكافحة الإرهاب في سيناء، تنويع مصادر التسليح في مصر، والاستعداد لمواجهة التحديات المعقدة والمتشابكة. تشمل هذه التحديات وجود جماعات مسلحة عبر الحدود، وعمليات تهريب، واستمرار النشاطات الإرهابية، مما يستدعي امتلاك قدرات عسكرية متقدمة.
- توترات متكررة في العلاقات بين القاهرة وواشنطن بسبب حقوق الإنسان - [[27]] ربط الكونغرس الأمريكي أجزاء من المساعدات العسكرية لمصر بتحسين سجلها في حقوق الإنسان، وقد قام في بعض الأحيان بتجميد الدعم أو إعادة توجيهه. تعترف إدارة بايدن بالأهمية الاستراتيجية للعلاقة بين الولايات المتحدة ومصر، لكن تركيزها على شروط حقوق الإنسان أثار توترًا مع القاهرة التي ترى في هذه المطالب تدخلاً في شؤونها الداخلية. وقد دفع هذا مصر إلى تنويع شراكاتها نحو قوى مثل الصين التي تتبع سياسة عدم التدخل.
الخاتمة
التداعيات الجيوسياسية للنفوذ الصيني في الشرق الأوسط
تشهد استراتيجية الدفاع المصرية تطورات لافتة، لا سيما تعميق الشراكة العسكرية مع الصين، وسط تحولات جيوسياسية كبيرة في الشرق الأوسط. الصمت الأمريكي، الشريك العسكري التقليدي لمصر، تجاه شراء القاهرة لأنظمة عسكرية صينية، بما في ذلك طائرات Y-20، أثار تكهنات حول احتمال حدوث ترتيبات إقليمية جديدة، ويمكن تفسير الصمت الأمريكي بطرق مختلفة، فقد يعكس نهج "الانتظار والترقب" الذي تمارسه واشنطن، معترفة بحق مصر السيادي في تنويع شراكاتها العسكرية، أو قد يشير إلى قيام الولايات المتحدة بإعادة تقييم استراتيجي لأولوياتها في المنطقة.
وبغض النظر عن الدوافع والأسباب، فإن غياب الرد العلني الفوري من الولايات المتحدة يوحي باحتمالية حدوث تحول في ديناميات العلاقة طويلة الأمد بين واشنطن والقاهرة.
تحمل الشراكة المتنامية بين مصر والصين تداعيات خطيرة على علاقات القاهرة مع حلفائها في الغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. فمحاولات القاهرة استغلال التنافس بين واشنطن وبكين لتحقيق مكاسب سياسية، بأسلوب يُشبه ممارسات التوازن في حقبة الحرب الباردة[[28]]، قد تأتي بنتائج عكسية وتنعكس سلبًا على علاقتها مع واشنطن لعدة أسباب جوهرية:
طالما كانت الولايات المتحدة حليفًا استراتيجيًا رئيسًا لمصر، حيث قدمت مساعدات عسكرية واقتصادية كبيرة، إلى جانب الدعم السياسي على مدار أربعة عقود.
صنفت استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية الصين كأكبر تهديد[[29]] لمصالح الأمن القومي الأمريكي، لذا قد تنظر واشنطن إلى جهود القاهرة في تعزيز العلاقات الثنائية مع بكين على أنها تقارب مع خصم.
يتطلب إدخال المعدات العسكرية الصينية المتقدمة وجود بنية تحتية عملياتية متخصصة، وتدريبًا طويل الأمد، وتوافقًا استخباراتيًا[[30]]، وهو ما قد يتعارض مع الأنظمة الغربية الحالية المدمجة في الجيش المصري. وسينجم عن ذلك تحديات لوجستية وتكتيكية في دمج الأنظمة الصينية ضمن العقيدة القتالية المصرية.
يرى بعض المسؤولين في إسرائيل أن التعاون الدفاعي المتطور بين الصين ومصر قد يحمل تداعيات محتملة على ميزان القوى العسكري في المنطقة. قد يدفع ذلك إلى تعزيز الحوار بين إسرائيل والولايات المتحدة لمعالجة أية مخاوف ذات صلة عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تدخلات سياسية إسرائيلية تعرقل فرص التعاون مع مصر. وقد تسعى إسرائيل أيضًا للضغط من أجل فرض قيود على تزويد مصر بأنظمة عسكرية معينة، أو حتى الدفع باتجاه عقوبات اقتصادية.
في النهاية، [[31]]ستُشكّل أولويات الصين الدفاعية والأمنية في المناطق المجاورة ومحيطها المباشر الاستراتيجية التي تنتهجها بكين تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن غير المرجّح أن تسعى الصين إلى إقامة علاقة أمنية ودفاعية أكثر فاعلية وعمقًا في المنطقة قبل تحقيق أولوياتها الأمنية الجوهرية، وعلى رأسها "إعادة التوحيد" مع تايوان.
المراجع:
[1][1]( Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “H.E. Wang Yi at the 10th Ministerial Conference of The China-Arab States Cooperation Forum.” May 30, 2024. Link
[2]) Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China. “Wang Yi Meets with Israeli Strategic Affairs Minister Dermer.” MFA China, September 15, 2024. Link
[3]) International Institute for Strategic Studies, “The Evolving Dynamics of China’s Middle East and North Africa Strategy.” May 8, 2025. Link
[4]) Embassy of the People’s Republic of China in Sweden, “Joint Trilateral Statement by the People’s Republic of China, the Kingdom of Saudi Arabia and the Islamic Republic of Iran.” March 11, 2023. Link
[5]) Eurasia Center for Strategic and International Studies, “Eagles of Civilization 2025: A Strategic Turning Point in Military Relations between Egypt and China.” May 9, 2025. Link
[6]) The Economic Times, “China, Egypt sign strategic partnership agreement.” December 24, 2014. Link
[7]( Ibid
[8]( Ministry of National Defense of the People’s Republic of China, “Chinese missile destroyer ‘Xi’an’ makes technical stop in Egypt’s Alexandria.” August 17, 2019. Link
[9]) Isaac B. Kardon and Wendy Leutert, “Pier Competitor: China’s Power Position in Global Ports.” International Security, Vol. 46, No. 4 (Spring 2022), pp. 9–47.
[10])Egypt Independent, “Egyptian‑Chinese naval forces begin joint training in Mediterranean sea.” August 22, 2019. Link
[11]( Middle East Institute, ““Chinas Growing Maritime Presence in Egypt’s Ports and the Suez Canal.”” November 3, 2023. Link
[12]( Asia Live News Service, ““Eagles of Civilization 2025: China and Egypt Deepen Military Ties with First‑Ever Joint Air Drills.”” April 23, 2025. Link
[13]( Xinhua, “Chinese, Egyptian air forces to hold first joint training.” April 16, 2025. Link
[14]) Defence Arabia, “An Evolving Strategic Landscape: Egypt’s Shifting Military Partnerships.” April 23, 2025. Link
[15]) The Arab Weekly, “US deliver F‑15 jets to Egypt as it seeks to reassure allies.” March 16, 2022. Link
[16]) Al Arabiya “US to Hold $130 Million in Military Aid to Egypt over Human Rights: Report.” September 14, 2021.Link
[17]( Defence Security Asia, “Egypt Eyes Chinese J‑35A Stealth Fighter as U.S. Blocks F‑35 Sales to Preserve Israel’s Edge.” January 28, 2025. Link
[18]) Defense Arabic. “Egypt Abandons J-10C Fighter Jet Deal in Favor of Purchasing Chinese WJ-700 Drones.” August 9, 2025. Link
[19]( Defence Security Asia, “Egypt Poised to Redraw Mediterranean Power Balance with Chinese Yuan‑Class Submarine Deal.” April 28, 2025. Link
[20]) Youm7, ““Chinese Premier: President El-Sisi Is a Dear Friend of Beijing and Commands Great Respect,”” July 10, 2025. Link
[21]) Asharq Al-Awsat, “Egypt and China to Deepen Strategic Partnership in Face of Regional Challenges,” July 10, 2025. Link
[22]) The State Council of the People’s Republic of China, “China, Egypt Agree to Enhance Comprehensive Strategic Partnership,” December 31, 2024. Link
[23]) Daily News Egypt, “Egypt’s PM Returns from China after Signing Agreements, Holding Talks,” September 7, 2024. Link
[24]) Erickson, Andrew S., “China Maritime Report: ‘One Force, Two Force, Red Force, Blue Force: PLA Navy Blue Force Development for Realistic Combat Training,’” September 4, 2024. Link
[25]) Al-Anani, Khalil, “Egypt’s Strategic Partnership with China: Opportunities and Implications,” Arab Center Washington DC, January 27, 2023. Link
[26]) World Bank, “Belt and Road Initiative,” March 29, 2018. Link
[27]) Reuters, “U.S. to hold $130 million of Egypt’’s military aid over human rights – sources,” September 14, 2021. Link
[28]( Al‑Anani, Khalil, “Egypt’s Strategic Partnership with China,” January 27, 2023. Link
[29]) Babb, Carla, “China Remains Top Threat in New U.S. National Defense Strategy,” Voice of America, October 27, 2022. Link
[30]) Ibid.
[31]) International Institute for Strategic Studies (IISS), “The Evolving Dynamics of China’s Middle East and North Africa Strategy: Future Scenarios,” May 2025. Link




