رؤية ما نريد أن نراه: كيف تشوّه التحيُّزات المعرفية التقييمات الأمنيّة؟

تُعتبر عملية صنع القرار في مجال الأمن القومي من أكثر المهام حساسية وخطورة التي تقوم بها الحكومات. يمكن أن يؤدي الحكم الخاطئ إلى أخطاء دبلوماسية أو صراع عنيف، وقد يسبب تحولات جيوسياسية جذريّة. على الرغم من التدريب المكثف والموارد الهائلة المخصصة لجمع المعلومات الاستخبارية وصياغة السياسات، يبقى الخطأ البشري متغيرًا لا مفر منه (لا يمكن تفاديه). صانعو السياسات ومحللو الاستخبارات، مثل جميع الأفراد، عرضة للتحيُّزات الإدراكية، التي يمكن أن تشوّه تصورات التهديد، وتُحرّف تقييمات المعلومات الاستخبارية، وتؤدي إلى أخطاء استراتيجية. في البيئات الأمنيّة، حيث تكون حالة عدم اليقين والضغط مرتفعة، غالبًا ما تتضخم عواقب التفكير الخاطئ.[1]

انتشار التحيُّز المعرفي في عملية صنع القرار في الأمن الوطني ليس مصادفة. المخاطر في الأمن الوطني عالية للغاية؛ إذ يتعين على صانعي السياسات التعامل مع قدر هائل من الغموض بشأن نوايا خصومهم وقدراتهم والجداول الزمنية لديهم، مما يجعلهم أكثر ميلًا للاعتماد على الاختصارات الذهنية أو الاستدلالات. ويزيد من ذلك ضغط الوقت: إذ غالباً ما تحتاج القرارات إلى أن تؤخذ على نحو عاجل استجابةً لتطورات سريعة الحركة.

تعمل منظومة الاستخبارات ضمن هياكل شديدة السرية والتقسيم، وهي وإن كانت ضرورية للأمن، فإنها تعزز العزلة والتفكير الجماعي من خلال الحد من التعاون بين الأجهزة الاستخبارية ومن التدقيق الخارجي. تزيد الحوافز السياسية هذه المشكلات سوءًا، وفي بعض الحالات قد تفضّل الإدارات المعلومات الاستخبارية التي تتماشى مع أهدافها الاستراتيجية، الأمر الذي يعيق معارضة الرأي الآخر أو وجهات النظر البديلة.

الخطأ طبيعة بشريّة: علم النفس الكامن وراء نقاط الضعف الأمنية

التحيُّزات المعرفية هي اختصارات ذهنية تساعد الأفراد على صنع القرارات بسرعة، خصوصاً في ظل ظروف عدم اليقين. رغم أن هذه الاستدلالات قد تكون مفيدة في الحياة اليومية، إلا أنها تتحول إلى أعباء في بيئات السياسات المعقدة، خصوصاً في مجال الأمن الوطني، حيث تكون المخاطر عالية، والوقت محدودًا، والغموض سائداً.[2]

على سبيل المثال، يقود التحيُّز التأكيدي صانعي السياسات ومحللي الاستخبارات إلى تفضيل المعلومات التي تتوافق مع معتقداتهم المسبقة، مع تجاهل البيانات التي تتعارض مع تلك الآراء. وقد كان ذلك واضحاً في الفترة التي سبقت حرب العراق عام 2003، عندما قامت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بتسليط الضوء انتقائياً على معلومات استخبارية تشير إلى امتلاك زعيم العراق صدام حسين أسلحة دمار شامل. تأثرت أجهزة الاستخبارات، خصوصاً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بشكل كبير بالسرديّة (الرواية) السياسيّة السائدة والتي كانت تؤكد أن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل. تم تضخيم الأدلة التي تدعم هذه السرديّة، على الرغم من عمليات التفتيش التي أجرتها الأمم المتحدة والتي لم تجد أي دليل على ذلك، وعلى الرغم من وجود معارضة داخل وكالة الاستخبارات المركزية. تحت الضغط، قد يكون المحللون قد سعوا دون وعي لتأكيد النتيجة المرجوة.[3] حظيت شهادة المخبر "كيرفبول" غير الموثوقة باهتمام مبالغ فيه لتوافقها مع المعتقد السابق. قدّمَ “كيرفبول”، وهو عراقي منشق يُدعى رافد أحمد الغانم الجنابي، ادعاءات ملفقة حول مختبرات بيولوجية متنقلة في العراق، والتي تم دحضها لاحقًا، الّا أنه قد استُشهد بها بشكل بارز من قبل المسؤولين الأمريكيين، بما في ذلك خطاب وزير الخارجية كولن باول أمام الأمم المتحدة عام 2003. أصبحت شهادته الكاذبة حجر الزاوية في ملف الاستخبارات المعيب المبرر للحرب، مما يوضح كيف يمكن للتحيُّز المعرفي ورغبة تأكيد الأدلة أن تتجاوز التحقق الدقيق وتؤدي إلى قرارات سياسية كارثية.[4]

وعلى نحوٍ مشابه، يُعد الاستدلال القائم على التوفر اختصاراً ذهنياً يقوم على تقدير احتماليّة أو تكرار حدث ما بناءً على سهولة ذكر أمثلة مشابهة في ذهن الشخص. في مجال الأمن، إذا كانت الأحداث الأخيرة أو البارزة أو التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة (مثل هجوم إرهابي) يسهل تذكرها، فقد يبالغ المحللون في تقدير احتمال وقوع أحداث مماثلة في المستقبل، حتى لو كانت البيانات الإحصائية تشير إلى خلاف ذلك.[5] يرجع السبب الجذري نفسياً في ميل الدماغ لتفضيل المعلومات سهلة التذكر، والتي تتأثر غالبًاً بالحداثة والقوة العاطفية للأحداث. على سبيل المثال، في الفترة التي سبقت انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، قلّل المسؤولون من تقدير سرعة تقدم طالبان جزئياً بسبب الاعتماد المفرط على الافتراضات القديمة وعدم قدرتهم على معالجة التغيرات السريعة على أرض الواقع.

يمكن أن يكون التحيُّز الارتسائي ضاراً بالمثل: ففي المراحل الأولى لجائحة كوفيد-19، ارتكز العديد من القادة الوطنيين، بما في ذلك في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا، في تقييماتهم للمخاطر على افتراضات مبكرة بأن الفيروس لا يشكل خطورة أكبر من الإنفلونزا، مما أدى إلى تأخير استراتيجيات التخفيف الحيوية. يحدث التحيُّز الارتسائي عندما يعتمد الأفراد بشكل مفرط على أول معلومة يتلقونها عند اتخاذ الأحكام أو القرارات، حتى لو ثبت فيما بعد أن تلك المعلومة الأولية يعتريها النقص أو أنها غير دقيقة. بمجرد أن ترسخت المقارنة الأولية مع الإنفلونزا الموسمية في الخطاب العام ورسائل النخب، غالبًا ما تم تجاهل التحذيرات اللاحقة من علماء الأوبئة أو التقليل من شأن الأدلة الجديدة حول معدل انتشار الفيروس الأعلى، وانتقاله دون ظهور أعراض، ومخاطر الوفاة المصاحبة له. لقد شكّل هذا التأطير المبكر أساساً للخطاب العام، وأسهم في تأجيل السياسات وقرارات الشراء. يكون تأثير الارتساء قوياً بشكل خاص لأنه يشكل الأساس الذهني الذي تُقيَّم بناءًا عليه جميع المعلومات المستقبلية، مما يصعّب على صانعي القرار تعديل تقييماتهم بالكامل مع تطور الحقائق. في جائحة كوفيد-19، أثّرت المخاطرة الناتجة عن التمسك بالمقارنات المبكرة الخاطئة بشكل بالغ، مما أسهم في تأخير الإغلاقات، وضعف البنية التحتية للاختبارات، وزيادة معدلات الوفيات في نهاية المطاف.[6]

التفكير الجماعي، وهو آلية قوية في بيئات صنع القرار الهرمية والمعزولة، يُثبِّط المعارضة والتقييم النّاقد. تحدث هذا الظاهرة ضمن مجموعة من الأشخاص حيث تؤدي الرغبة في الانسجام مع المجموعة إلى نتائج غير عقلانية في صنع القرارات. في مجال الأمن الوطني، يبرز ذلك غالبًاً عندما تُعطي فرق استشارية أو لجان استخباريّة مترابطة الأولوية للتوافق على حساب التقييم النقدي للبدائل، مما يقمع الآراء المعارضة. ينبع أساس هذا التحيُّز النفسي من الحاجة إلى القبول الاجتماعي وتجنّب الصراع داخل المجموعة. يمكن عزو جزء من فشل التنبؤ بالثورة الإيرانية عام 1979 أو الانهيار السريع للأنظمة المدعومة من الولايات المتحدة في أفغانستان وفيتنام الجنوبية إلى الإفراط في الاعتماد على التفكير التوافقي بين المسؤولين الذين لم يكونوا مستعدين لتحدي السرديات (الروايات) السائدة.[7]

غالبًا ما تكافئ الثقافات التنظيمية الهرمية والتقليدية داخل أجهزة الدفاع والاستخبارات الامتثال على حساب المراجعة النّاقدة. يعود جزء من فشل التنبؤ بانهيار الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات إلى التفكير المؤسسي الراسخ الذي افترض استقرار وحيادية الاتحاد السوفيتي، رغم التصدعات الداخلية المتزايدة. بمجملها، تُشكّل هذه الآليات "العاصفة المثالية" التي تصبح فيها التحيُّزات المعرفية والمؤسسية جزءاً متجذرًا في آليات صنع السياسات الأمنية الوطنية، مما يزيد احتمالية الأخطاء الاستراتيجية وفشل الاستخبارات.[8]

هذه التحيُّزات ليست حوادث معزولة. إنها متجذرة في المنطق المؤسسي لبيئات الأمن الوطني، وتتفاقم بسبب الخوف، والتخطيط وفق أسوأ السيناريوهات، والضغوط البيروقراطية للامتثال، والرغبة في تجنّب أن يكون الفرد المختلف أو ناقل الأخبار السيئة. تؤدي هذه التحيُّزات إلى المبالغة في رد الفعل تجاه التهديدات الغامضة، وكبت الفرضيات البديلة، وصنع قرارات خاطئة ذات عواقب بعيدة المدى.

تخويفنا حد الموت: كيف يقود التفكير النابع من الخوف إلى الإفراط في العمل العسكري

غالبًا ما تتشكل سياسات الأمن وفق المثل القائل: "الوقاية خير من العلاج". قد يكون التفكير الوقائي ضروريًا لحماية المصالح الوطنية، إلا أنه غالبًاً ما يؤدي إلى تضخيم تصور التهديدات، خصوصاً عند ارتباطه بمخاوف مشحونة عاطفياً وتحيُّزات مؤسسية. قد يؤدي التخطيط وفق أسوأ السيناريوهات، رغم كونه مبرراً أحيانًا، إلى تشويه التقييمات الاستراتيجية، ويؤدي إلى ردود فعل عسكرية مفرطة تجاه تحديات يمكن التعامل معها بشكل أكثر فعالية من خلال الدبلوماسية، أو التعاون الاستخباري، أو المساعدات التنموية.[9] تساهم عدة عوامل هيكلية ونفسية في استمرار هذه التشوّهات في بيئات الأمن الوطني. تخلق الأخطار العالية وحالة عدم اليقين الملازمة للتنبؤ بالتهديدات المستقبلية، حيث قد تكون تكلفة الفشل كارثية، بيئة خصبة للاختصارات الذهنية والتفكير (التفسير) الحدسي. في مثل هذه السيناريوهات، غالباً ما يسعى صانعو القرار إلى إيجاد أنماط أو إحكام الأمور (نتائج محددة)، بالاعتماد على أمثلة يسهل تذكرها أو ذات دلالة عاطفية بدلاً من التحليل الدقيق.[10]

يزيد ضغط الوقت خلال الأزمات من تفاقم هذا التوجّه. تُقيّد سِرّيَّة وتقسيم العمل الاستخباري التدقيق الخارجي، مما يسمح بمرور التفسيرات الخاطئة دون مراجعتها وتدقيقها. يمكن للثقافات التنظيمية في بيروقراطيات الاستخبارات والدفاع، التي غالبًا ما تؤكد على التسلسل الهرمي والولاء والامتثال، أن تعزز التفكير الجماعي وتثني عن إبداء الآراء المخالفة. يمكن أن يزيد الانخراط العاطفي، مثل الخوف أو الوطنية المفرطة أو الغضب بعد هجوم، من غموض إصدار الحكم، مما يجعل التهديدات تبدو أشد خطورة أو وشيكة مما هي عليه في الواقع. تغذي هذه الآليات نمطاً أوسع من تضخيم تصور التهديد، حيث يميل صانعو السياسات، سواء عن وعي أو دون وعي، إلى المبالغة في تقدير قدرات الخصم. غالبًا ما يؤدي ذلك إلى ما يُعرف بمعضلة أمنيّة، حيث تُفسَّر الاستعدادات الدفاعية لدولة ما من قبل الدول الأخرى على أنها مواقف هجومية، مما يغذي التصعيد وانعدام الثقة.[11]

يُعد غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 مثالًا على هذه الثغرات. مدفوعة بالتحيُّز التأكيدي والقلق من "كارثة نووية" افتراضية، اعتبرت إدارة بوش المعلومات الاستخباريّة الغامضة والمفسَّرة انتقائياً حول أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حاسمة وقطعية. تم تهميش أو تجاهل الأصوات المعارضة داخل وكالة الاستخبارات المركزية ومن الهيئات الدولية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي لم تجد أي دليل على وجود برنامج نووي نشط. قاد الاعتقاد بوجود تهديد وشيك وكارثي صانعي السياسات إلى اتخاذ إجراء عسكري وقائي تجاوز البدائل الدبلوماسية الممكنة، وحمل عواقب هائلة وغير متوقعة، بما في ذلك عدم الاستقرار الإقليمي وظهور جماعات متطرفة مثل تنظيم داعش.[12]

الفشل الاستخباري: عندما يتحوّل التحليل إلى تأييد لقرار محدد

تتغلغل التحيُّزات بعمق داخل مؤسسات الاستخبارات، وغالباً ما تشوّه التحليل في اللحظات الأكثر حرجاً. تكون التقييمات الاستخبارية عرضة بشكل خاص لمفهوم انعكاس المرآة (التشابه الذهني)، أي الافتراض الخاطئ بأن الخصوم سيفكرون ويتصرفون كما نفعل نحن. ساهم مفهوم انعكاس المرآة في فشل مجتمع الاستخبارات الأمريكي في التنبؤ بالثورة الإيرانية عام 1979 وسقوط كابول السريع عام 2021، إذ افترض المحللون خطأً أن النخب والمؤسسات الموالية للولايات المتحدة ستحتفظ بمصداقيتها في أعين السكان المحليين.[13]

يزيد التسييس الاستخباري من تفاقم المشكلة عندما تُصاغ المعلومات لتتناسب مع الأهداف السياسية بدلاً من توجيهها. مثال كلاسيكي على ذلك كان الفترة الممتدة بين 2002 و2003 قبل حرب العراق، حيث تعرض المحللون لضغوط للعثور على أدلة حول أسلحة الدمار الشامل، وتم قمع التحفظات والآراء المعارضة لصالح إعداد ملف مبرر للحرب. تم التركيز انتقائيًا على التقديرات الاستخبارية لدعم السردية التي تفضلها إدارة بوش، بينما تم تهميش التقييمات المتعارضة، مثل تلك الصادرة عن مكتب الاستخبارات والبحث التابع لوزارة الخارجية، التي شككت في وجود برامج أسلحة نووية نشطة في العراق. حالة توضيحية أخرى هي تعامل إدارة ترامب مع المعلومات الاستخبارية بشأن تهديد العنف المتزايد من دعاة تفوق العرق الأبيض، حيث تم التقليل من شأنها لصالح التركيز على أهداف سياسية أكثر ملاءمة، مثل حركة "أنتيفا" أو المخاوف الأمنية المتعلقة بالهجرة. تكشف هذه الحالات كيف أن تسييس الاستخبارات لا يشوّه دورة المعلومات الاستخبارية فقط، بل يقوّض أيضاً مصداقية المؤسسات، ويضعف ثقة الجمهور، ويزيد من احتمالية المفاجآت الاستراتيجية من خلال دفع صانعي القرار لرؤية العالم كما يرغبون فيه بدلاً من أن يرونه كما هو فعلياً.[14]

تقدّم مقالة حديثة في مجلة Foreign Affairs بعنوان "ترامب يقوّض الاستخبارات الأمريكية" للكاتبين ديفيد في. جيو ومايكل في. هايدن مثالاً معاصرًاً على كيفية تأثير هذه الآليات في تآكل نزاهة الأجهزة الاستخباريّة. خلال ولاية ترامب الأولى، واجه مجتمع الاستخبارات ضغوطاً سياسية مكثفة لتكييف التقييمات بما يتوافق مع وجهة نظر الإدارة. تم تهميش وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لصالح الموالين للإدارة، الذين أعطوا الأولوية للتوافق الأيديولوجي على الدقة التحليلية. تم التقليل من شأن التحذيرات الاستخبارية بشأن جائحة كوفيد-19، وتم تجاهل الإحاطات المتعلقة بالتطرف المحلي لأنها كانت تتعارض مع الرسائل السياسية للرئيس. في هذا السياق، قام المحللون بممارسة الرقابة الذاتية أو تجنّبوا عرض الحقائق المزعجة.[15]

تُظهر هذه الحالة أنه عندما تُستغل الاستخبارات لخدمة التأييد بدلاً من الموضوعية، يتلقى القادة صوراً مشوّهة وغير دقيقة في تصوير الواقع الحقيقي. يزيد هذا بشكل كبير من خطر المفاجآت الاستراتيجية، والفشل العملياتي، والأضرار طويلة الأمد لسمعة المؤسسات الاستخبارية نفسها.

الحدّ من التحيُّزات: نحو صنع قرارات أمنية أفضل

التحيُّزات المعرفية ليست حتمية ولا خارجة عن السيطرة. يمكن للأدوات والإستراتيجيات المؤسسية المتعددة أن تقلل من تأثيرها على صنع القرار في الأمن الوطني، رغم أن نجاحها يعتمد بشكل كبير على الإرادة السياسية ونزاهة المؤسسات.

إحدى الطرق الفعّالة هي تمارين الفريق الاحمر (Red Teaming)، حيث يُكلَّف محللون مستقلون بمراجعة ونقد الافتراضات السائدة من خلال التفكير بمنظور الخصم. تم استخدام هذا الأسلوب بشكل ملحوظ من قبل الجيش الأمريكي قبيل تصعيد العمليات في العراق عام 2007 لتوقع ردود فعل المتمردين وتكييف استراتيجيات مكافحة التمرد.[16]

وبالمثل، يمكن للتقنيات التحليلية المنظمة مثل "التحقق من الافتراضات الأساسية"، و"تحليل الفرضيات المتنافسة"، و"التحليل الاستباقي" أن تضيف دقّة منهجية والتزاماً بالتقييمات. تم اضفاء الطابع المؤسسي لهذه الممارسات إلى حد ما بعد إخفاقات الاستخبارات المتعلقة بأحداث 11 سبتمبر وبرامج أسلحة الدمار الشامل في العراق. تساعد هذه الأساليب المحللين على تجنّب التمسك المبكر بسرديّة واحدة، وتشجع على اختبار البدائل بشكل مستمر.

تشجيع وجهات النظر المتنوعة يُعدُّ أمراً بالغ الأهمية أيضاً. جزء من فشل التنبؤ بانهيار نظام الشاه في إيران عام 1979 نبع من نقص المحللين المطلعين ثقافياً ولغويًا، القادرين على تفسير الإشارات القادمة من داخل المجتمع الإيراني. إدماج خبراء من خلفيات عرقية أو إقليمية أو أكاديمية متنوعة يمكن أن يقلل من التفكير الجماعي ويعزز الوعي بالوضع الراهن.

تتيح محاكاة الحروب والتخطيط وفق السيناريوهات المستخدمة على نطاق واسع في الناتو ووزارة الدفاع الأمريكية، لصانعي السياسات اختبار الافتراضات في بيئات المحاكاة، مما يكشف عن حدود استراتيجياتهم تحت ظروف متنوعة.[17]

لا يقل أهمية عن ذلك وجود ضوابط مؤسسية مثل الرقابة البرلمانية أو الكونغرسية الصارمة، والمفتشون العامون المستقلون، وحماية المبلغين عن المخالفات.[18] تُعدُّ هذه الآليات ضرورية لضمان الّا يتم إسكات الآراء المعارضة أو تجاهل التحليلات المزعجة. دون وجود ضوابط هيكلية قوية، يمكن أن تُلغى حتى أكثر الأساليب التحليلية تطوراً بفعل الاعتبارات السياسية، مما يجعل المؤسسات غير واعية للتهديدات الناشئة.

ستبقى القرارات الأمنية دائمًا تنطوي على قدر من عدم اليقين. ولكن عندما تستند القرارات إلى الاختصارات النفسية والدوافع السياسية أكثر من اعتمادها على الأدلة والتفكير الناقد، ترتفع مخاطر سوء التقدير بشكلٍ مضاعف. كما تُظهر التجربة الأمريكية خلال عهد ترامب، فإن تسييس الاستخبارات لا يضعف ثقة الجمهور والتعاون الدولي فحسب، بل يحجب رؤية صانعي القرار أيضاً عن التهديدات الناشئة.

لتجنب تكرار إخفاقات شبيهة بما حدث في العراق أو الثغرات التي أدت إلى أحداث السادس من يناير (شهر 1)، يجب على المؤسسات الأمنية أن تحصّن نفسها ضد التشوهات الإدراكية التي تعد طبيعية لدى البشر جميعاً، ولكنها تصبح بالغة الخطورة في مجال الأمن الوطني. الرهانات عالية للغاية لدرجة لا تسمح بأن يحلّ "رؤية ما نريد أن نراه" محل رؤية ما هو موجود فعلاً.

بيان إخلاء المسؤولية:

الآراء والأفكار الواردة في سلسلة منشورات "رؤى وآراء" تعبر عن وجهات نظر كتّابها فقط، ولا تعكس بالضرورة السياسة الرسمية أو موقف مركز ربدان للأمن والدفاع أو أي من الجهات التابعة له أو أي جهة حكومية. يُنشر هذا المحتوى لأغراض إعلامية، ويعكس الرؤى الشخصية للمؤلفين حول مواضيع متنوعة تتعلق بالأمن والدفاع.


[1] Stuart, Douglas T., ' Foreign‐Policy Decision‐Making', in: Christian Reus-Smit, and Duncan Snidal (eds), The Oxford Handbook of International Relations (2008; online edn, Oxford Academic, 2 Sept. 2009), https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780199219322.003.0033

[2] Mintz A, DeRouen Jr K.’ Biases in Decision Making.’ In: Understanding Foreign Policy Decision Making. Cambridge University Press; 2010:38-54.

[3] Jervis, R. (2010). Why Intelligence Fails: Lessons from the Iranian Revolution and the Iraq War. Cornell University Press, pp-123-155, http://www.jstor.org/stable/10.7591/j.ctt7z6f8

[4] Chulov, Martin and Helen Pidd, ‘Curveball: How US was duped by Iraqi fantasist looking to topple Saddam’, 15 February, 2011, The Guardian, https://www.theguardian.com/world/2011/feb/15/curveball-iraqi-fantasist-cia-saddam

[5] Mintz A, DeRouen Jr K. ‘Types of Decisions and Levels of Analysis in Foreign Policy Decision Making.’, In: Understanding Foreign Policy Decision Making, Cambridge University Press; 2010:15-37.

[6] David Paulus, Gerdien de Vries, Marijn Janssen, and Bartel Van de Walle, ‘The influence of cognitive bias on crisis decision-making: Experimental evidence on the comparison of bias effects between crisis decision-maker groups,’ International Journal of Disaster Risk Reduction, Volume 82, 2022, https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2212420922005982

[7] Schafer, Mark and Scott Crichlow (2010) Groupthink Versus High-Quality Decision Making in International Relations. Columbia University Press, (Chapter 8. The 2003 War in Iraq: How Flawed Decision Making Led to Critical Failures)

[8] Cox, M. (2008) ‘1989 and why we got it wrong’, (Working Paper Series of the Research Network 1989, 1). Berlin. https://nbn-resolving.org/urn:nbn:de:0168-ssoar-16282

[9] Houghton, D. (2017, September 26) ‘Crisis Decision Making in Foreign Policy’, Oxford Research Encyclopedia of Politics, https://oxfordre.com/politics/view/10.1093/acrefore/9780190228637.001.0001/acrefore-9780190228637-e-403.

[10] Pursiainen, C., Forsberg, T. (2021) ‘Beliefs That Shape Decisions’, In: The Psychology of Foreign Policy. Palgrave Studies in Political Psychology. Palgrave Macmillan, Cham. https://doi.org/10.1007/978-3-030-79887-1_4

[11] Bell, M. S., & Quek, K. (2025) ‘How Intractable is Security Dilemma Thinking?’, Journal of Conflict Resolution, 0(0). https://doi.org/10.1177/00220027251356279

[12] Pursiainen, C., Forsberg, T. (2021) ‘Biased Decisions’, In: The Psychology of Foreign Policy. Palgrave Studies in Political Psychology. Palgrave Macmillan, Cham. https://doi.org/10.1007/978-3-030-79887-1_5

[13] Johnston Conover, P., Mingst, K. A., & Sigelman, L. (1980) ‘Mirror Images in Americans’ Perceptions of Nations and Leaders during the Iranian Hostage Crisis’, Journal of Peace Research, 17(4), 325-337. https://doi.org/10.1177/002234338001700404 

[14] Gvosdev, N.K., Blankshain, J.D. and Cooper, D.A. (2019) Decision-Making in American Foreign Policy. Cambridge: Cambridge University Press, pp.14-51

[15] David V. Gioe and Michael V. Hayden, ‘Trump Is Breaking American Intelligence. Politicizing the System Makes Dangerous Failures More Likely’, Foreign Affairs, July 2, 2025, https://www.foreignaffairs.com/united-states/trump-breaking-american-intelligence

[16] Ackerman, G., & Clifford, D. (2021, August 31) ‘Red Teaming and Crisis Preparedness’, Oxford Research Encyclopedia of Politics, https://oxfordre.com/politics/view/10.1093/acrefore/9780190228637.001.0001/acrefore-9780190228637-

[17] FAYET, Héloïse and Amélie FÉREY, ‘Imagining Beyond the Imaginary The Use of Red Teaming and Serious Games in Anticipation and Foresight’, Briefings de L’IFRI, March 30, 2023, https://www.ifri.org/sites/default/files/migrated_files/documents/atoms/files/fayet-ferey_imaginingbeyondimaginary_2023.pdf

[18] Council of Europe Commissioner for Human Rights, ‘Democratic and Effective Oversight of National Security Services’, Issue Paper, 2015, https://rm.coe.int/16806daadb

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙