بعد مرور شهرين على اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، قد يبدو تكرار التأكيد على أن حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي في غرب آسيا (أو الشرق الأوسط) تُنتج تداعيات تمتد إلى جنوب شرق آسيا أمراً مألوفاً.
غرب آسيا وجنوب شرق آسيا: مصالح استراتيجية مشتركة
برز هذا الترابط كمؤشر مهم في عام 2025، عندما أسست «رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)» أول قمة تجمع بين «آسيان» و«مجلس التعاون لدول الخليج العربية (GCC)» والصين، بهدف ترسيخ التعاون بين الأقاليم ضمن إطار مؤسسي.
ورغم أن بعض المراقبين السياسيين رأوا أن القمة تحمل طابعاً رمزياً أكثر من كونها آلية عملية، فإنها تعكس في الوقت ذاته وجود مصالح استراتيجية مشتركة تربط هذه المناطق، ولا سيما بين غرب آسيا وجنوب شرق آسيا.
وإذا كانت هناك أي شكوك بشأن أهمية هذه المصالح الاستراتيجية، فإن متابعة التطورات اليومية والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية على جنوب شرق آسيا كفيلة بإبراز حجم هذا الترابط.
وعقب اندلاع الحرب، أصدر وزراء خارجية «رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)» بياناً في 4 مارس 2026 أعربوا فيه عن قلقهم إزاء التطورات، مؤكدين التزام دول «آسيان» بالاستفادة من الأطر القائمة لتقديم المساعدات الطارئة لمواطنيها المتضررين من الحرب في منطقة غرب آسيا.
وفي 13 أبريل 2026، أصدر وزراء خارجية «آسيان» بياناً آخر دعا إلى التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار، معربين عن قلقهم إزاء إغلاق مضيق هرمز. وفي اليوم ذاته، أصدرت الفلبين، التي تتولى رئاسة «آسيان» لعام 2026، بيان الرئاسة الذي أعاد التأكيد على تداعيات الحرب على جنوب شرق آسيا، وشدد على ضرورة بحث استجابات إقليمية منسقة لتعزيز القدرة الجماعية على الصمود.
وتعكس هذه البيانات مستوى من التضامن، كما تسلط الضوء على الآليات الإقليمية التي ينبغي لقادة «آسيان» امتلاك الإرادة السياسية لتفعيلها، بهدف بناء قدرة جماعية على مواجهة مواطن الضعف المرتبطة بالأمن الغذائي وأمن الطاقة. ومع ذلك، إذا استمرت حالة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واستمرت تداعياتها العالمية في الظهور، فإن «آسيان» مطالبة أيضاً بدراسة التأثيرات المحتملة على مجتمعها السياسي والأمني، ومدى انعكاس هذه التطورات على استقرارها الإقليمي وقدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
أوقات أكثر خطورة تنتظر «آسيان»
قد تتحول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى عامل جديد يسهم في إضعاف النظام الدولي القائم على القواعد، ومؤشراً على احتمال ظهور مزيد من الصراعات. فعلى سبيل المثال، حذر وزير خارجية سنغافورة «فيفيان بالاكريشنان» خلال مقابلة مع قناة «CNBC» في 22 أبريل 2026، من أن إغلاق مضيق هرمز قد يمثل «تجربة تمهيدية» في حال اندلاع حرب بين الصين والولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وحتى الآن، وبعد أن اعترضت القوات الأمريكية ثلاث ناقلات نفط مرتبطة بإيران في مياه قريبة من الهند وسريلانكا وماليزيا خلال أبريل 2026، لا يزال خطر امتداد المواجهة البحرية بين الولايات المتحدة وإيران قائماً، بما قد يؤدي إلى انتقالها إلى الممرات المائية الاستراتيجية في جنوب شرق آسيا. كما قد تظهر تعقيدات جيوسياسية إضافية إذا اعترضت القوات الأمريكية المزيد من ناقلات النفط المرتبطة بإيران، ليس فقط بهدف إضعاف النظام الإيراني، ولكن أيضاً لقطع وصول الصين إلى النفط الإيراني. ويتزامن هذا السيناريو مع احتمال تعرض المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة لهجمات مرتبطة بإيران، ولا سيما في سنغافورة، التي تربطها علاقات طويلة الأمد مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي ظل هذه التطورات، تبرز تساؤلات حول القضايا المرتبطة بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية التي قد تؤثر في البيئة الاستراتيجية التي تعمل ضمنها القوات المسلحة لدول «آسيان».
كما يطرح ذلك تساؤلات حول العوائق التي قد تحد من التضامن الإقليمي وتعزيز التعاون الأمني، والتي يمكن أن تمثل نقطة ضعف لـ«آسيان» إذا شهدت منطقة المحيطين الهندي والهادئ تصاعداً في التوترات الجيوسياسية، أو تحولت، في أسوأ السيناريوهات، إلى مسرح لصراع عسكري بين القوى الكبرى.
هل الدفاع «آسيان» مستعد لعالم أكثر اضطراباً؟
تُعد هذه أسئلة مهمة، وربما حساسة، ينبغي على مسؤولي «آسيان»، ولا سيما العاملين في قطاع الدفاع، بحثها بعمق أكبر خلال الاجتماعات المقبلة المرتبطة بـ«اجتماع وزراء دفاع آسيان (ADMM)».
وتبرز ثلاث مجالات رئيسية للقضايا على الأقل، تتمثل في: الدبلوماسية العسكرية، والاستعداد العسكري، والدفاع السيبراني.
أولاً، كشفت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية عن وجود اختلافات في السياسات والمواقف بين دول «آسيان» بشأن كيفية التعامل مع تداعياتها. فعلى سبيل المثال، استندت سنغافورة إلى حق المرور العابر المنصوص عليه في «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)»، وبالتالي رفضت التفاوض مع إيران بشأن ضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز. ويختلف هذا الموقف عن مواقف إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند، التي دخلت في محادثات مع إيران. كما ظهر اختلاف آخر في المواقف المتعلقة بالسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية، عندما اقترح وزير المالية الإندونيسي فرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر مضيقي ملقا وسنغافورة. وتثير هذه القضايا مجتمعة تساؤلاً حول ما إذا كانت الصراعات التي تطلقها القوى الكبرى ستؤدي إلى توحيد دول «آسيان» أم إلى تعميق الانقسامات بينها، وما يترتب على ذلك من تداعيات على الدبلوماسية العسكرية في جنوب شرق آسيا.
ثانياً، أدت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية إلى تعزيز الحاجة الملحّة لدى دول «آسيان» لتحديث قدراتها القتالية، بهدف رفع مستوى الجاهزية العسكرية في عالم يزداد اضطراباً وخطورة. وفي الوقت الذي يواجه فيه مورّدو الأسلحة الأوروبيون تحديات في دعم أوكرانيا ومجاراة القدرات الصناعية لخصمها (روسيا)، لا يمكن افتراض استمرار موثوقية الولايات المتحدة، التي لا يمكن التنبؤ بسلوكها، كمورّد للأسلحة وضامن للأمن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وبناءً على ذلك، قد تتزايد الدعوات للمضي قدماً في تنفيذ مبادرة «التعاون الدفاعي الصناعي لآسيان (ADIC)»، التي أطلقها «اجتماع وزراء دفاع آسيان» عام 2011. لكن يبقى التساؤل قائماً: هل ستؤدي المواقف المتباينة بين دول «آسيان» تجاه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية إلى تعميق الاختلافات في التوجهات الجيوسياسية، التي كانت بالفعل من العوامل التي أعاقت تقدم مبادرة «التعاون الدفاعي الصناعي لآسيان (ADIC)»؟
ثالثاً، بدأ «اجتماع وزراء دفاع آسيان (ADMM)» جهوداً لتعزيز قدرة القوات المسلحة لدول «آسيان» على تنفيذ «قواعد الأمم المتحدة للسلوك المسؤول للدول في الفضاء السيبراني». ويُعد الحفاظ على فضاء سيبراني مستقر أمراً بالغ الأهمية لدول «آسيان»، لا سيما مع استعدادها لتوقيع «اتفاقية إطار الاقتصاد الرقمي لرابطة آسيان (DEFA)» في عام 2026. ومع ذلك، فإن توظيف العمليات السيبرانية إلى جانب العمليات العسكرية التقليدية خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية يشير إلى أن تراجع النظام الدولي القائم على القواعد لا يقتصر على المجالات التقليدية، بل يمتد أيضاً إلى الفضاء السيبراني. ومن هنا يبرز تساؤل أساسي حول مدى قدرة القواعد السيبرانية القائمة، إلى جانب مستوى التعاون الحالي بين دول «آسيان» في مجال الدفاع السيبراني، على حماية المنطقة من التهديدات الإلكترونية في حال اندلاع صراع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي الختام، تمثل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية مثالاً جديداً على أن النزاعات البعيدة جغرافياً، ومنها صراعات غرب آسيا، يمكن أن تحمل تأثيرات استراتيجية تمتد إلى جنوب شرق آسيا.
كما قد تثير هذه التطورات تساؤلات عديدة حول قدرة المنطقة على تعزيز صمودها الجماعي في مواجهة الأزمات المتزايدة. إضافة إلى ذلك، فإن البعد السياسي والأمني لهذه التداعيات يستحق مزيداً من الدراسة، إلى جانب تقييم مدى جاهزية قطاع الدفاع في «آسيان» لحماية مصالح المنطقة في مرحلة تتزايد فيها احتمالات اندلاع النزاعات واتساع نطاقها.




