في حين أن الضربات الجوية التي نُفّذت في 28 فبراير 2026 شكّلت تحولًا عن الاستراتيجيات السابقة، فإن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى كانت قد شهدت تصاعدًا تدريجيًا قبل ذلك التاريخ بوقت طويل. إنها نتاجُ لذكريات ممتدةٍ ومظالمٍ عميقة، متجذّرة في التداعيات الجيوسياسية التي أحدثتها الثورة الإيرانية عام 1979. ما نشهده اليوم ليس تصعيدًا معزولًا، بل عودة إلى السطح لتنافسٍ استراتيجي استمر يتطور على مدى ما يقارب خمسة عقود. تعكس اللحظة الراهنة تقاطعًا خطيرًا بين الأيديولوجيا، وسياسات القوة، والتسارع التكنولوجي، والقدرة على الصمود الاستراتيجي. في جوهره، يمثل هذا صراعًا يتشكّل وفق مبادئ الواقعية الكلاسيكية—البقاء، وتوازن القوى، وسياسة حافة الهاوية.
يقدّم التاريخ تحذيرًا واضحًا: فالمواجهات التي تقوم على الردع، والتنافس عبر الوكلاء، وتدخل القوى العظمى نادرًا ما تبقى محدودة لفترة طويلة.
توازن القوى والبقاء الاستراتيجي: دروس من الحرب الباردة
بالنسبة لإسرائيل، يمكن فهم هذه المواجهة من خلال منطق الواقعية القائم على توازن القوى. لقد تغيّرت المعادلة الإقليمية، ولا سيما مع تجدد التركيز الاستراتيجي لواشنطن على منطقة الخليج. هذا يذكّر بتحالفات حقبة الحرب الباردة ، حيث كانت الأطراف الإقليمية تعمل كركائز لاستراتيجيات القوى العظمى الأوسع.
لا تزال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 مثالًا حاسمًا على سياسة حافة الهاوية. دفع خصما التصعيد إلى حافة المواجهة النووية، حيث كان كل طرف يحسب بدقة عناصر الحزم والمصداقية والبقاء. لم تكن الأزمة تتعلق بالصواريخ في كوبا فحسب؛ بل كانت تتعلق بإدراكات التطويق الاستراتيجي و مصداقية الردع. تعكس البيئة الراهنة بالمثل عمليات إشارات محسوبة، واختبارًا للخطوط الحمراء دون التسبب في تصعيد خارج عن السيطرة.
من وجهة النظر الإيرانية، فإن تصاعد الضغوط الإقليمية والعزلة الدولية يعزّزان حسابات بقاء النظام. يمكن ملاحظة ديناميكية مماثلة في سلوك كوريا الشمالية، التي أعطت أولوية في استراتيجيتها لتطوير الأسلحة النووية والصواريخ لردعٍ يُستخدم كآلية للحفاظ على بقاء النظام. عندما يصبح البقاء الهدفَ الأسمى، يرتفع مستوى تقبّل المخاطر.
تظل الولايات المتحدة، التي يُنظر إليها عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا بوصفها القوة العظمى الوحيدة المتبقية، عاملًا حاسمًا يوجّه الحسابات الإقليمية. ومع ذلك، تبقى معضلة أساسية قائمة؛ فتنفيذ عمليات عقابية سريعة أمر معيَّن، بينما يُعدّ الالتزام الإقليمي المستدام أمرًا آخر. تُجسّد تجربة حرب العراق ذلك بوضوح. كان النصر العسكري الأولي سريعًا. غير أن تحقيق الاستقرار الاستراتيجي كان عمليةً طويلة ومكلفة، مما يُظهر كيف يمكن للأهداف المحدودة أن تتحول بسرعة إلى التزامات طويلة الأمد.
الدعم اللوجستي، والعولمة، واتساع ساحة المعركة: سابقة أوكرانيا
بعيدًا عن تبادل القوة الظاهر، تكمن أبعاد حاسمة أخرى، أبرزها اللوجستي. لا تُخاض الحروب الحديثة بالصواريخ والطائرات فحسب، بل أيضًا بسلاسل الإمداد، والقدرة الصناعية، والقدرة على التحمل المالي.
توفر الأزمة الجارية في أوروبا الشرقية دراسة حالة معاصرة. كشفت المراحل الأولى من المواجهة عن تحديات لوجستية كبيرة، بدءًا من نقص الذخيرة وصولًا إلى اختناقات الصيانة. اضطرت الدول الغربية إلى توسيع إنتاجها الدفاعي بشكل كبير للحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية الأوكرانية. الدرس واضح: الدعم اللوجستي المحدود غير متوافق مع حروب طويلة الأمد وعالية الشدة.
وبالمثل، خلال المراحل المتأخرة من الحرب العالمية الثانية، لم تكن المناورة في ساحة المعركة وحدها هي التي حددت النتائج الاستراتيجية، بل كان للإنتاج الصناعي الدور الحاسم. لقد حسمت قدرة الحلفاء على التفوق في الإنتاج على قوى المحور في الطائرات والسفن والذخائر مسار الصراع بشكل حاسم. أثبتت المرونة الصناعية أنها لا تقل أهمية عن تكتيكات ساحة المعركة.
في نظامٍ مُعَولَم، نادرًا ما تبقى الحروب محصورة جغرافيًا. يُظهر الصراع السوري كيف يمكن للأزمات المحلية أن تستقطب بسرعة أطرافًا إقليمية ودولية. تطوّرت الحرب الأهلية السورية من اضطرابات داخلية إلى ساحةٍ تشمل روسيا، والولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، وعددًا من الفاعلين من غير الدول. وسّعت الاتصالات المُعولمة، والتدفقات المالية، وأسواق السلاح نطاق ساحة المعركة ليشمل ما هو أبعد بكثير من حدود سوريا.
في حين أن طبيعة الحرب، أي استخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية، تبقى ثابتة، فإن طابعها قد تطوّر. تُعرّف الذخائر الموجّهة بدقة، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الفوري (ISR)، وتقنيات الطائرات المسيّرة اليوم وتيرة العمليات العسكرية. ومع ذلك، تبقى حتى الحملات المتقدمة تكنولوجيًا عرضة للاستنزاف ونفاد الموارد.
حروب الوكالة، والصمود، وضغط الاستخبارات: أفغانستان وما بعدها
حروب الوكالة ليست ظاهرة جديدة؛ بل هي سمة بنيوية من سمات سياسات القوة. خلال الحرب السوفيتية في أفغانستان، دعمت أطراف خارجية قوى محلية بهدف التأثير على النتائج بشكل غير مباشر. كانت العواقب بعيدة المدى عميقة، إذ أعادت تشكيل هياكل الأمن الإقليمي لعقود. في الآونة الأخيرة، يُظهر دعم إيران لشبكات الوكلاء الإقليمية كيف يمكن للانخراط غير المباشر أن يُعادل حالات عدم التماثل التقليدي في القوة.
بالنسبة للولايات المتحدة، يتطلب العمل بمرونة عبر جبهات متعددة عمقًا في الموارد. تُبرز تجربة الحرب في أفغانستان التكلفة الاستراتيجية للصمود طويل الأمد. على الرغم من التفوق التكنولوجي الساحق، فإن الإرهاق—السياسي والاقتصادي والمؤسسي—أدى تدريجيًا إلى تآكل الزخم الاستراتيجي. بعد عقدين، أصبح الانسحاب حتميًا.
كما يُعلّمنا التاريخ أن ضغط الاستخبارات يمكن أن يؤثر في وتيرة العمليات. خلال السنوات الأخيرة من حملتي العراق وأفغانستان، واجهت أجهزة الاستخبارات أعباءً تحليلية متزايدة. مع اتساع نطاق الأهداف، أصبح الحفاظ على استخبارات قابلة للتنفيذ وبوتيرة عمليات عالية أمرًا أكثر تعقيدًا بشكل متزايد. يمكن أن تؤدي التأخيرات في نشر المعلومات إلى تغيير ديناميكيات ساحة المعركة وإبطاء المبادرة الاستراتيجية.
في النزاعات الممتدة، يصبح الإرهاق بحد ذاته مدمرًا بقدر القنابل والرصاص. غالبًا ما تفوق القدرة على الصمود الاستراتيجي البراعة التكتيكية.
الخاتمة
تعكس هذه المواجهة ديناميكيات بنيوية راسخة: تنافس توازن القوى، وحسابات بقاء الأنظمة، والتصعيد التكنولوجي، والضغط اللوجستي، والتشابك عبر الوكلاء. تُظهر دراسات الحالة من أزمة الصواريخ الكوبية، وأفغانستان، والعراق نمطًا متسقًا: فالتصعيد أسهل من خفض التصعيد، والانتصارات السريعة غالبًا ما تتبعها التزامات طويلة الأمد.
في التحليل النهائي، لا يتعلق الأمر فقط بمن يوجّه الضربة أولًا أو بمن يمتلك تفوقًا تكنولوجيًا. المتغير الحاسم هو القدرة على الصمود عبر الصناعة، والسياسة، واللوجستيات، والمؤسسات.
يُشير التاريخ إلى أنه في المواجهات التي تتسم بسياسة حافة الهاوية والترابط العالمي، قد لا يكون العامل الحاسم هو القوة النارية وحدها، بل من يستطيع الحفاظ على أطول التزامات استراتيجية دون الوقوع في فخّ الإرهاق.





