مع ازدياد تقلب بيئة الأمن العالمي، تعيد الدول اكتشاف فكرة قديمة لكنها قوية: لا تكون القدرة على الجاهزية الوطنية إلا بقدر قوة المجتمع الذي يقوم عليها. بالنسبة للدول الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص، لم تعد القدرة العسكرية وحدها كافية لضمان الأمن.
إن المشهد الاستراتيجي الحالي، المحدد بالحروب الهجينة، والهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، والضغط الاقتصادي، والجائحات، وتفكك سلاسل الإمداد، والصدمات المناخية، يتجاوز الفاصل بين المدنيين والعسكريين. في هذا السياق، أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ زمن طويل أن الأمن متعدد الأبعاد، وأن الدفاع الحديث يمتد بعيداً عن ساحات القتال.
لقد تم ترسيخ استراتيجية حكومة الإمارات لتعزيز موقفها الدفاعي من خلال نهج "شامل للوطن"، بدءاً من استثماراتها في إدارة المخاطر السيبرانيةوحماية البنية التحتية المعلوماتية الحيوية، وصولاً إلى جهودها في تعزيز صمود الأمن الغذائي والمائي والطاقة. تُعد كل من الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي2051واستراتيجية الأمن المائي لدولة الإمارات 2036من المبادرات الاستراتيجية طويلة المدى والمخطط لها بعناية، والتي تعكس جهود حكومة الإمارات لتعزيز الأمن في المجالات غير العسكرية.
أهمية الدفاع الشامل لدولة الإمارات العربية المتحدة
تجعل جغرافيا دولة الإمارات وموقعها الجيوسياسي منها واحدة من أهم الدول الصغيرة في العالم. بوصفها تقع على مفاصل حيوية للتجارة البحرية العالمية، وتعمل كمركز لوجستي، وتقوم بدور مركز مالي إقليمي، فإن استقرار دولة الإمارات له تبعات عالمية. لكن هذه المزايا تخلق أيضاً نقاط ضعف.
تواجه الإمارات طيفاً من التهديدات التقليدية وغير التقليدية المتطورة، والتي حدّدتها استراتيجية الدفاع الوطني 2023. تشمل بعض هذه التهديدات غير التقليدية: الاختراقات السيبرانية التي تستهدف البنوك، والمرافق الطاقة، والبنية التحتية الحيوية؛ النزاعات الإقليمية؛ عمليات النفوذ وحملات التضليل الإعلامي التي تهدف إلى تقويض الثقة؛ والضغوط المناخية طويلة الأمد التي تؤثر على نظم المياه، وتنويع مصادر الطاقة، والأمن الغذائي.
في الوقت نفسه، أبرزت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، الناتجة عن المنافسة الجيوسياسية والجائحات والظواهر الجوية المتطرفة، الحاجة إلى لوجستيات مرنة وشركاء متنوعين.
في هذا السياق، يوفر مفهوم الدفاع الشامل إطاراً استراتيجياً يتوافق مع طبيعة المشهد التهديدي. يفترض هذا المفهوم أن الدفاع ليس من اختصاص القوات المسلحة وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمعات، والمقيمين. يحوّل هذا المفهوم الفكرة إلى واقع عملي، بحيث يجب أن يكون كل قطاع مستعداً للوقاية من الصدمات، والتعامل معها، والتعافي منها، سواء كانت هجمات مادية مباشرة أو اضطرابات نظامية.
المبادئ الأساسية للدفاع الشامل
يمكن لعدة مبادئ أساسية، باعتبارها إطاراً تحليلياً للدفاع الشامل، أن تعزز مرونة دولة الإمارات، كما تساعد الباحثين في دراسة استراتيجية الدولة في مجال الدفاع والأمن.
أولاً، يجب أن تكون المرونة شاملة. تمتلك الإمارات بالفعل قدرات عسكرية متقدمة، إلا أن التهديدات الهجينة تتجاوز بشكل متزايد أساليب الدفاع التقليدية. ستعزز عقيدة وطنية موحدة للمرونة، وتدمج الأمن السيبراني، والدفاع المدني، وإدارة الطوارئ، وأمن سلاسل الإمداد، والاتصالات الاستراتيجية، من مستوى الاستعداد وتقلل نقاط الضعف عبر المجالات المختلفة.
ثانياً، التماسك المجتمعي يُعدّ عنصراً استراتيجياً. يُعد النسيج الاجتماعي متعدد الأعراق والثقافات في الإمارات أحد أعظم مصادر قوتها. في عصر التضليل الإعلامي والعمليات النفسية، تصبح استراتيجيات الاتصال الواضحة، والتثقيف العام حول الاستعداد للأزمات، وبرامج مشاركة المجتمع أموراً أساسية.
ثالثاً، يجب أن يصبح القطاع الخاص شريكاً مؤسسياً في الأمن الوطني.
بوصفها مركزاً عالمياً للطيران واللوجستيات والتمويل والطاقة، فإن مجتمع الأعمال في الإمارات يصبح حتماً هدفاً في الصفوف الأمامية للأمن الوطني. يؤدي دمج مبادئ الدفاع الشامل في حوكمة الشركات، من خلال التخطيط لاستمرارية الأعمال، وحماية البنية التحتية الحيوية، واستعداد القوى العاملة، والاستجابة المنسقة للحوادث، إلى حماية المؤسسات وتعزيز الأمن الوطني في الوقت نفسه. في هذا السياق، قد تقدّم بعض عناصر تجربة سنغافورة، مثل آليات التنسيق بين القطاعين العام والخاص، رؤى مقارنة مفيدة. ومع ذلك، فإن إمكانية التطبيق ستعتمد على الاعتبارات المؤسسية والديموغرافية والاجتماعية الخاصة بدولة الإمارات العربية المتحدة.
نهج سنغافورة الشامل للوطن: مجتمع (قطاع) الأعمال
يعتمد نموذج الدفاع الشامل في سنغافورة، الذي تم تطويره في ثمانينيات القرن الماضي وصقِل على مدى عقود، على ستة ركائز مترابطة تعزز بعضها بعضاً: الدفاع العسكري، والدفاع المدني، والدفاع الاقتصادي، والدفاع الاجتماعي، والدفاع الرقمي، والدفاع النفسي. الهدف واضح وبسيط: في أي أزمة، يلعب كل قطاع من قطاعات المجتمع دوراً نشطاً ومحدداً.
في حين يحظى تحديث القوات المسلحة السنغافورية باهتمام كبير، فإن جهودها الموازية لدمج قطاع الأعمال في منظومة الأمن الوطني لا تقل أهمية عن ذلك.
من الأمثلة البارزة على ذلك مجموعة المراقبة الوطنية للأمن والسلامة (SSWG)، وهي شراكة وطنية تربط قطاع الأعمال، مثل مالكي المباني، ومديري المرافق، والمشغلين التجاريين، بالأجهزة الوطنية للأمن الرئيسية، بما في ذلك قوة شرطة سنغافورة وقوة الدفاع المدني السنغافورية. (قوة الدفاع المدني السنغافورية) تعزز خطة مجموعة المراقبة الوطنية للأمن والسلام جاهزية "شاملة للأمة" من خلال تزويد المؤسسات بالمعرفة، والبروتوكولات، وآليات التنسيق اللازمة للكشف عن التهديدات الأمنية، ومنعها، والاستجابة لها.
أحد العناصر الأساسية لفعالية مجموعة المراقبة الوطنية للأمن والسلامة هو شراكتها المتينة مع الشرطة. على المستوى العملياتي، تلعب مراكز الشرطة المجتمعية دوراً محورياً في الصفوف الأمامية. تتفاعل هذه المراكز مباشرة مع قطاع الأعمال داخل نطاق اختصاصها، من خلال تيسير الحوارات المنتظمة، والإحاطات الأمنية، والتمارين المشتركة. يضمن هذا التفاعل على المستوى الميداني بقاء مجموعة المراقبة الوطنية للأمن والسلامة سريعة الاستجابة، ومتجذّرة في المجتمع، ومواكِبة للمخاطر الأمنية المتغيرة.
في نوفمبر 2025، على سبيل المثال، أُُجري تمرين رئيسي لمكافحة الإرهاب حمل الاسم الرمزي تمرين هارتبيت في كلارك كواي، أحد أبرز مناطق الترفيه في سنغافورة. أتاح هذا التمرين لمالك المنشأة وإدارتها التدرب على التنسيق مع الشرطة وغيرها من خدمات الطوارئ، مما أبرز أهمية الاستجابة السريعة والمنسَّقة والمُجرَّبة جيداً لأي هجوم إرهابي محتمل. لم يكن هذا التمرين ليُنفَّذ لولا التعاون الوثيق والعلاقة المتينة بين إدارة كلارك كواي ووحدة الشرطة المحلية.
ما أثر مخطط مجموعة المراقبة الوطنية للأمن والسلامة؟ على المدى الزمني، أسهم التعاون بين الأجهزة الأمنية الداخلية في سنغافورة وقطاع الأعمال في ترسيخ منظومة أمنية يقِظة ومترابطة تمتد إلى ما هو أبعد من عناصر الأمن النظاميين، لتشمل المساحات اليومية التي يعيش فيها الناس ويعملون ويتجمعون فيها.
فرصة استراتيجية لدولة الإمارات العربية المتحدة
من شأن نموذج دفاع شامل مُصمَّم بما يتناسب مع دولة الإمارات العربية المتحدة أن يضمن أن تصبح الجاهزية نهجاً مؤسسياً دائماً، لا استجابة ظرفية مؤقتة. من خلال تبنّي مفهوم الدفاع الشامل، يمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة تعزيز شرايينها الاقتصادية، وتعميق وحدة مجتمعها، وتحصين مرونة أنظمتها الحيوية. والأهم من ذلك، أنه يضع الدولة في موقع وطن مرن، قادر على امتصاص الصدمات، والتعافي بسرعة، والازدهار في قرن يزداد فيه عدم اليقين.




