المُقدمة
أفضى انتقال القيادة في سوريا عقب انتهاء حقبة الأسد وصعود الرئيس أحمد الشرع إلى فتح آفاق دبلوماسية جديدة، لاسيما مع شركاء دوليين محوريين مثل الصين. وبينما تسعى سوريا إلى ترسيخ الاستقرار والشروع في إعادة الإعمار، يبرز أحد التحديات الكبرى أمام الحكومة الجديدة والمتمثل في كيفية التعامل مع وجود المقاتلين الأجانب، ولا سيما القادمين من وسط وشرق آسيا، بما يعزز الأمن الوطني مع الحفاظ على علاقات بنّاءة مع الأطراف الخارجية.
تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى ترسيخ مكانتها كجهة فاعلة إقليمية مسؤولة عبر تشديد قبضتها على الجماعات المسلحة غير النظامية والتعهد بعدم السماح باستخدام الأراضي السورية كمنصة للنشاطات المسلحة العابرة للحدود.ويُولَى اهتمام خاص لمدى قدرة هذه الإصلاحات الأمنية الداخلية على معالجة مخاوف الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الصين، إزاء وجود المقاتلين الأجانب. غير أنّ إدماج هؤلاء المقاتلين في مواقع عليا بوزارة الدفاع، بل ومنح بعضهم الجنسية السورية، يضع الرئيس أحمد الشرع أمام معادلة صعبة/ في موقف محرج، يحاول من خلالها الموازنة بين المصالح الأمنية لبكين من جهة، والضغوط الصارمة التي تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المطالِبة بترحيل جميع المقاتلين الأجانب من جهة أخرى.[i]
وعوضًا عن التركيز على التحالفات السابقة، يُسلّط موقف الشرع على الساحة الدولية الضوء على إعادة تقييم براغماتية في السياسة الخارجية لكلٍّ من سوريا والصين، في سعيهما لبناء علاقة مستقبلية تقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة. ويُتوقع أن يشمل التعاون بين البلدين مجالات إعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب، ومشروعات الربط الإقليمي، وذلك في انسجام مع الانخراط الصيني الأوسع في منطقة الشرق الأوسط ومبادرة "الحزام والطريق"، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة تنشيط الاستثمارات الصينية في الإقليم.[ii] إن محاولات الجيش السوري الجديد تفكيك المختبرات والطرق غير الشرعية المخصّصة لتهريب مادة "الكبتاغون" – وهي حبوب منبهة شديدة الإدمان تشبه الأمفيتامين، والتي كانت تدرّ على نظام الأسد، في ظل العقوبات، نحو خمسة مليارات دولار سنويًا – تمثل بدورها مؤشرًا إيجابيًا لبكين. وعلى الرغم من هيمنة منطقة الشام على أنشطة التهريب، فإن القلق المتزايد في بكين
يعكس خشية من احتمال امتداد طرق التهريب إلى آسيا الوسطى، بما قد يفضي إلى اندلاع مواجهات عابرة للحدود ويزعزع استقرار الاقتصادات المحلية الواقعة على أطراف المجال الحيوي الصيني.
حقبة ما بعد الأسد
أدت الحرب الأهلية السورية إلى تدفق أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب إلى البلاد، وأضحى إدماجهم مجددًا في المجتمع تحديًا أمام الإدارة الجديدة، خصوصًا في ظل المخاوف التي تبديها الصين حيال هذه القضية.
ويُعَدّ التعامل مع هذا الملف أمرًا ضروريًا لإقناع بكين بالاضطلاع بدور فاعل واستباقي في تمويل إعادة إعمار سوريا.
لقد كان لهؤلاء المقاتلين دورٌ محوري في الهجوم الخاطف الذي أطاح ببشار الأسد في أقل من أسبوعين، غير أن تعيين بعضهم في مناصب عسكرية عليا ضمن الحكومة الجديدة أثار في بكين مخاوف من احتمال تصاعد تهديدات معادية للصين تنطلق من الأراضي السورية.
لتهدئة هذه المخاوف، تعهّدت حكومة الشرع الجديدة بدمج المقاتلين الأجانب بطريقة تضمن عدم تشكيلهم أي تهديد للمصالح الصينية في الخارج. وكانت بكين قد طالبت في البداية بتسليم هؤلاء "المقاتلين غير النظاميين"، إلا أنها تبدو الآن أكثر ميلاً إلى قبول استراتيجية الاحتواء والاستيعاب التي تنتهجها دمشق بدلاً من الإعادة القسرية إلى أوطانهم. ومع ذلك، لا تزال دمشق أمام معادلة بالغة الحساسية: إذ يتعيّن عليها إرضاء المقاتلين الأجانب الذين دفعوا "ضريبة الدم" في سبيل تحقيق النصر، من دون إغضاب الصين، وفي الوقت نفسه التصدّي للضغوط الغربية والحؤول دون إعادة إشعال التوترات الطائفية من جديد. غير أن دمج المقاتلين السابقين من دون إخضاعهم لعمليات تدقيق أمني صارمة ومناسبة أو من دون تحديد واضح لسلاسل القيادة قد يتركهم عرضة للولاء لرعاة أو داعمين خارجيين، وهو ما من شأنه تقويض سيطرة الدولة على أدوات القوة وزعزعة ثقة الرأي العام بالحكومة. وعلى نحوٍ بديل، فإن برامج الحكومة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، التي تستهدف إعادة المقاتلين السابقين إلى الحياة المدنية، قد تُمنى بالفشل إذا ما وُصم العائدون بكونهم مصدر تهديد، مما قد يُغذي استياء المجتمع، ويُعطِّل إعادة الإدماج الاجتماعي، ويزيد من احتمالات عودة دوامات العنف.[iii] فعلى سبيل المثال، قد يتمركز بعض المقاتلين الأجانب في جيوب سكانية محددة ذات انتماء قومي أو طائفي مغاير لمحيطها، وهو ما يعرّضهم أحيانًا لنعوت ازدرائية مثل "التركستاني"، الأمر الذي يزيد من تعقيد جهود تحقيق الاندماج الكامل.
وفي أعقاب التحوّل في موازين السلطة بدمشق، حثّ دبلوماسيون صينيون في الأمم المتحدة على احترام خيار الشعب السوري، محذّرين في الوقت ذاته من المخاطر الأمنية التي يُشكّلها المقاتلون الجهاديون الأجانب الناشطون داخل البلاد. خلال لقائه مع الحكومة السورية الجديدة، تلقّى السفير الصيني في دمشق، شي هونغوي،[iv] تطمينات مفادها أنّ سوريا لن تكون ملاذًا آمنًا لأي هجمات قد تستهدف أفرادًا أو بنى تحتية صينية. ويتمتّع أحمد الشرع بنفوذ على الفصائل التي كانت تتمتع باستقلالية نسبية سابقًا، إذ كافأها على قتالها ضد نظام الأسد، وفي المقابل قبلت هذه الفصائل بحظر كل أشكال الدعاية الإلكترونية الصادرة عنها.
وفي الوقت نفسه، فإن الديناميات الإقليمية – ولا سيما الدور المتنامي لأنقرة بوصفها ضامنًا أمنيًا – سيكون لها تأثير مباشر على مسار استقرار سوريا في ظل هذه القيادة الجديدة. تحث الصين تركيا سرًا على الضغط على الشرع لقمع أي إجراءات قد تهدد الوجود الصيني في المنطقة، مع أن قدرة أنقرة على فرض ذلك لم تُختبر بعد. وعلى المدى المتوسط، تتمثل أبرز المخاطر التي تواجه الصين في هجمات “الذئاب المنفردة” التي قد ينفذها محاربون قدامى غادروا سوريا، والذين اكتسبوا قدرات قتالية حادة بعد الحرب الأهلية الطويلة، لاسيما في استخدام العبوات الناسفة أو طائرات الكاميكازي المسيّرة الانتحارية من طراز FPV.
إعادة الإعمار بأسلوب صيني؟
أذهل الانهيار السريع لدمشق بكين، وأبقَى صينيي تشونغنانهاي في حالة من الترقب وعدم اليقين بشأن خطواتهم المقبلة. ومع ذلك، من المرجح جدًا أن تحافظ الصين على موقف "الانتظار والترقب" على المدى القصير، مع المضي بحذر شديد. وفي الوقت ذاته، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والسعودية، تُعدّ الصين من بين الدول القليلة التي تمتلك الموارد المالية والخبرة التقنية اللازمة لدعم جهود إعادة إعمار سوريا.وحتى الآن، كانت سوريا تحتل مرتبة أقل من أولويات بكين في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن التغيير الأخير في الحكومة بدمشق يفرض على بكين تكثيف تركيزها على استقرار سوريا، لاسيما حول مينائي طرطوس[v] واللاذقية الاستراتيجيين، اللذين يشكّلان ركيزة للشبكة البحرية لمبادرة "الحزام والطريق" وصولًا إلى بيرايوس وحيفا وطرابلس.
تعهد كلٌّ من الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر وتركيا بتحويل سوريا إلى مركز إقليمي يربط بين الموانئ والطرق وأنابيب إمدادات الهيدروكربون، في ظلّ عجز دمشق، التي دمّر الحرب اقتصادها، عن تأمين ما يُقدَّر بنحو 400 مليار دولار لتغطية تكلفة إعادة الإعمار.[vi] وبعد أن تعهد ترامب بتعليق العقوبات على سوريا، تدخل كلٌّ من قطر والسعودية لسداد ديون سوريا البالغة 15.5 مليون دولار لصالح البنك الدولي، مما أتاح تمويلًا حيويًا على شكل منح مالية حيوية لدعم إعادة إعمار البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية.[vii]
يشكّل تفكك "محور المقاومة" الإيراني وفقدانه حليفه العربي الرئيسي، سوريا، نقطة تحوّل فارقة سترسم ملامح الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لسنوات مقبلة. ومع تراجع النفوذ الإيراني، تتضح تدريجيًا ملامح شرق أوسط جديد، بالتزامن مع إعادة بكين تقييم مشاريعها قصيرة المدى وطموحاتها طويلة الأجل في المنطقة. ويؤكد الدبلوماسيون الصينيون أن بكين، على عكس روسيا وإيران، التزمت دائمًا بمبدأ عدم التدخل، حتى في ظل إرسال موسكو وطهران القاذفات والمليشيات لدعم الدفاعات العسكرية لنظام الأسد. ومن ثم، فإن إعادة إعمار سوريا تمثل نافذة تُظهِر القوة الجيو–اقتصادية للصين، القائمة على الاستفادة من التجارة والاستثمارات بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية.
بينما تسعى بكين إلى قيادة دول الجنوب العالمي من خلال مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، سيشكل دورها في سوريا اختبارًا لقدرتها على تحويل النفوذ الاقتصادي إلى تأثير دبلوماسي واستراتيجي. في أبريل، وخلال لقاء مع السفير الصيني لدى الأمم المتحدة، فو كونغ، في مقر مجلس الأمن في نيويورك، أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق حريصة على بناء "شراكة استراتيجية" مع الصين.[viii] ومن خلال مواءمة استراتيجيتها مع دول الخليج، وخصوصًا الإمارات العربية المتحدة والسعودية، يمكن للصين تأمين مسار متوازن ومنخفض المخاطر لعملية إعادة إعمار سوريا.ستُمكّن استراتيجية التحالف الصين من تقاسم المخاطر وتجنّب المنافسة مع حلفائها الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط.[ix] في نهاية المطاف، ستُمهّد كيفية دعم دول الخليج للانتقال السوري الطريق أمام بكين للانتقال من المشاركة الاقتصادية المباشرة إلى الدعم الدبلوماسي متعدد الأطراف.
ومع تحول دول الخليج من سياسة موازنة القوى إلى بناء جسور إقليمية، سيكون انخراط الصين في الشرق الأوسط الجديد مؤشرًا رئيسيًا على ما إذا كانت سياستها الخارجية في المنطقة ستتحول إلى نفوذ ملموس وفاعل.
بيان إخلاء المسؤولية:
الآراء والمواقف الواردة في سلسلة منشورات قسم “آراء ورؤى” تعبّر عن وجهات النظر الشخصية للكتّاب، ولا تعكس بالضرورة السياسات أو المواقف الرسمية لمعهد ربدان للأمن والدفاع أو أي من المؤسسات التابعة له أو لأي جهة حكومية. والمحتوى المنشور يهدف إلى توفير معلومات عامة ويعكس وجهات نظر شخصية حول قضايا متعلقة بالأمن والدفاع.
[i] Louisa Loveluck and Zakaria Zakaria, Syrian leader faces challenge of foreign militants who helped him win power. The Washington Post. May 31, 2025. https://www.washingtonpost.com/world/2025/05/31/syria-sharaa-foreign-fighters-militants/
[ii] Xinhua, Xi urges greater efforts to build China-Arab community with shared future. People’s Republic of China State Council, May 30, 2024 https://english.www.gov.cn/news/202405/30/content_WS665889d7c6d0868f4e8e7acb.html
[iii] Karam Shaar, Captagon in 2024: Implications After the Fall of the Syrian Regime. New Lines Institute. February 25, 2025 https://newlinesinstitute.org/wp-content/uploads/20250225-Captagon-in-2024_Intelligence-Briefing-nlisap.pdf
[iv] United Nations Development Programme, Practice Note: Disarmament, Demobilization and Reintegration of Ex-Combatants,UNDP, January 21, 2012, https://www.undp.org/sites/g/files/zskgke326/files/publications/UNDP%20DDR%20Practice%20Note.pdf
[v] Laura Zhou, Syrian leader Sharaa meets Chinese envoy in first bilateral exchange since fall of Assad. South China Morning Post, February 22, 2025. https://www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3299738/syrian-leader-sharaa-meets-chinese-envoy-first-bilateral-exchange-fall-assad
[vi] Khitam Al Amir, DP World, Syria sign $800 agreement to strengthen ports infrastructure. July 13, 2025. https://gulfnews.com/business/markets/dp-world-syria-sign-800-agreement-to-strengthen-ports-infrastructure-1.500196760
[vii] Joseph Daher, Three Requisites for Syria’s Reconstruction Process. Carnegie Endowment for International Peace. May 8, 2025. https://carnegieendowment.org/research/2025/05/three-requisites-for-syrias-reconstruction-process?lang=en
[viii] Vivian Nereim, Gulf States Lead Push to Invest in New Syria. The New York Times, June 30, 2025. https://www.nytimes.com/2025/06/30/world/middleeast/gulf-states-invest-syria-iran.html
[ix] Agence France-Press, Syria’s foreign minister wants to ‘strengthen relations’ with China. South China Morning Post, April 29, 2025. https://www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3308273/syrias-foreign-minister-wants-strengthen-relations-china
[x] Jesse Marks, China‘s first post-Assad Syria meeting. February 22, 2025. Substack https://jessemarks.substack.com/p/chinas-first-post-assad-syria-meeting




