تولت الفلبين رئاسة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في عام 2026 تحت شعار «الإبحار نحو مستقبلنا معًا». ويأتي هذا الانتقال القيادي في لحظة مفصلية للرابطة، في ظل استمرارها في مواجهة تحديات سياسية واقتصادية وأمنية مزمنة تختبر تماسكها ومصداقيتها. فحالة عدم الاستقرار المتواصلة في ميانمار، والتوترات الحدودية غير المحسومة بين تايلاند وكمبوديا، وتصاعد النزاعات في بحر الصين الجنوبي، كشفت جميعها عن محدودية النهج القائم على الإجماع في إدارة الشؤون الإقليمية داخل آسيان.
ورغم تعدد القضايا التي تواجهها الرابطة، فإن هذه الملفات الثلاثة تمثل خطوط صدع ذات أبعاد جيوسياسية بالغة الأهمية. وإذا تُركت هذه القضايا من دون معالجة، فإنها تنذر بتقويض استقرار جنوب شرق آسيا، وإضعاف مركزية آسيان، وتقييد قدرة الرابطة على التأثير في بيئتها الخارجية. ومن ثمّ، لا تمثل رئاسة الفلبين مجرد مسؤولية دورية متناوبة، بل تشكل فرصة استراتيجية لإعادة ضبط الأجندة الإقليمية لآسيان، ولا سيما فيما يتعلق بأمن البحار.
السياق الاستراتيجي لآسيان في عام 2026
مع دخول عام 2026، تُدرك الدول الأعضاء في آسيان الحاجة إلى اعتماد نهج أكثر تماسكًا واستراتيجية (بيان اجتماع وزراء خارجية آسيان،ص 5) لتعزيز الركائز الثلاث لبناء المجتمع، والتي تشمل التكامل الاقتصادي، والتعاون السياسي–الأمني، والترابط الاجتماعي–الثقافي. وقد أسهمت رئاسة ماليزيا لآسيان في عام 2025 في إرساء أسس مهمة من خلال تعزيز الاستمرارية المؤسسية ودفع مسارات التخطيط طويل الأمد. ومن أبرز النتائج صياغة الخطة الاستراتيجية لمجتمع آسيان الاقتصادي للفترة 2026–2030، التي تعكس جهود الرابطة للتكيف مع حالة التشرذم الاقتصادي العالمي، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد المنافسة التكنولوجية.
تتكامل هذه المبادرات مع الأطر الاستراتيجية التي تقودها آسيان، مثل «رؤية آسيان لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ»، التي تؤكد على التعاون البحري، وتعزيز الترابط، وبناء هيكل إقليمي شامل. وفي هذا السياق، يظل بحر الصين الجنوبي اختبارًا حاسمًا لمدى فاعلية آسيان بوصفها فاعلًا أمنيًا. فالنزاع في بحر الصين الجنوبي، الذي ينطوي على مطالبات متداخلة لكل من بروناي وماليزيا والفلبين وفيتنام في مواجهة الصين، وضع دور آسيان في إدارة النزاعات عند مفترق طرق: إما أن تقف كتكتل إقليمي موحد، أو أن تبدو ككتلة من 11 دولة تتعامل كل منها على حدة مع الصين. ولم تكن آسيان في طليعة المشهد عند مقاربة القضايا الأمنية في الإقليم. فمنذ تأسيسها، ازدهرت الرابطة عبر أطرها ومنتدياتها الدبلوماسية، لكنها لم تكن حازمة بالقدر الكافي في معالجة التحديات الأمنية الإقليمية. إن كيفية إدارة آسيان لهذا الملف مستقبلًا ستشكل صورة قدرتها على موازنة مصالح القوى الكبرى، مع صون الاستقلالية الإقليمية.
المكانة الاستراتيجية للفلبين في بحر الصين الجنوبي
باعتبارها دولةً ساحلية مطالبة بالسيادة، تتقاطع مصالح الفلبين الحيوية بشكل مباشر مع حماية حرية الملاحة، وصون الاستقرار البحري، وترسيخ سيادة القانون في بحر الصين الجنوبي. ومن مصلحة الفلبين حماية منطقتها الاقتصادية الخالصة باعتبارها وسيلة للدفاع عن حقها في الوصول إلى الموارد الطبيعية، مثل مصايد الأسماك والنفط والغاز. وعلى الرغم من تعاقب الإدارات المختلفة — من أكينو إلى دوتيرتي ثم ماركوس الابن — فقد واصلت مانيلا تأكيد مطالباتها بجزر سبراتلي وشعاب سكاربورو، التي تُعرف مجتمعة باسم «بحر الفلبين الغربي»، وذلك رغم الضغوط المتزايدة الناجمة عن الأنشطة البحرية الواسعة للصين.
وتواجه فيتنام تحديات مماثلة، ما يؤكد أن نزاع بحر الصين الجنوبي ليس ثنائيًا فحسب، بل يحمل طابعًا إقليميًا. ولطالما شددت دول آسيان على أن إدارة مثل هذه النزاعات ينبغي أن تتم عبر آليات متعددة الأطراف وأطر إقليمية. ومن منظور استراتيجي، فإن دفع المطالبات عبر أطر آسيان يعزز النفوذ الدبلوماسي، ويكسب الشرعية الدولية، ويقوي القدرة التفاوضية الجماعية، لا سيما بالنسبة للدول المتوسطة والصغيرة.
شكّل اعتماد آسيان عام 1992 لـ «إعلان بحر الصين الجنوبي» محاولة مبكرة لاحتواء التصعيد وتشجيع ضبط النفس، في أعقاب الاشتباكات المسلحة بين الصين وفيتنام أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
وسعى الإعلان إلى تعزيز بناء الثقة والالتزام بالأعراف الدولية، بما في ذلك «معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا». وردّت الصين في العام نفسه بإقرار تشريعها الداخلي «قانون جمهورية الصين الشعبية بشأن البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة»، لتأكيد مطالبها البحرية الواسعة، ما زاد من تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية ووسّع الفجوة بين الإعلانات السياسية والوقائع الاستراتيجية.
ورغم المقاربة الإقليمية التي اعتمدتها آسيان، فإن التوترات بين الصين والفلبين استمرت، بل وتصاعدت في بعض الأوقات. كما كشف عجز الرابطة عن إصدار بيان ختامي مشترك عام 2012 — بسبب غياب التوافق حول بحر الصين الجنوبي — عن هشاشة «مركزية رابطة الآسيان» عندما تتباين مصالح الدول الأعضاء تحت وطأة الضغوط الخارجية.
ومع ذلك، تحقق قدر من التقدم التدريجي. فقد شكّل موافقة الصين على التفاوض بشأن «مدوّنة سلوك» (COC) مع رابطة آسيان إشارة إلى إدراك مشترك بأن المنافسة غير المُدارة في بحر الصين الجنوبي تنطوي على مخاطر غير مقبولة لجميع الأطراف. غير أنّ المدوّنة لا تُطرح كآلية لحل نزاعات السيادة، بل كأداة لإدارة النزاع تهدف إلى منع التصعيد، وبناء الثقة، وضبط التفاعلات بين الدول المطالِبة بالسيادة.
وضع المدوّنة وحدودها الاستراتيجية
انطلقت مناقشات رسمية بشأن مدوّنة السلوك عام 2013، وتوّجت باعتماد إطار عمل عام 2017 خلال قمة آسيان–الصين. إلا أن هذا الإطار يظل غير ملزم قانونيًا ويفتقر إلى آليات تنفيذ، ما يحدّ من فعاليته التشغيلية.
ويتضمن النص إرشادات لمنع النزاعات وإدارة الحوادث، ويمكن اعتباره أكثر شمولًا من مفهومي «الأمن البحري» و«حرية الملاحة». غير أن الإطار لم يتضمّن وصفا «ملزما قانونيًا» ضمن هذه الإرشادات، ما يعني غياب أدوات إنفاذ واضحة. وقد دفعت هذه القيود، لا سيما من جانب رابطة الآسيان، إلى المطالبة بـ اتفاق أكثر جوهرية وإلزامًا.
ورغم عدم تحديد موعد نهائي رسمي، برز عام 2026 كهدف سياسي مهم لإنجاز مفاوضات المدوّنة، تزامنًا مع تولّي الفلبين رئاسة رابطة آسيان.وبالنسبة لإدارة ماركوس الابن، فإن إحراز تقدم في هذا الملف سيمثل إنجازًا دبلوماسيًا استراتيجيًا. ومع دخول الإدارة النصف الثاني من ولايتها، يوفّر عام 2026 — بصفته عام الرئاسة الدوري للرابطة — نافذة ضيقة لكنها ذات مغزى لتعزيز المصالح الفلبينية عبر القيادة متعددة الأطراف بدلًا من التصعيد الأحادي.
وتتباين النظرة إلى القيمة الاستراتيجية للمدوّنة بين الأطراف المعنية. فبالنسبة لمعظم دول رابطة الاسيان، تمثل المدوّنة آلية لتحقيق الاستقرار لا تسوية نهائية للنزاع، إذ تتيح إدارة التوترات مع حماية المصالح الاقتصادية الأوسع. وتظل الصين الشريك التجاري الأكبر للرابطة (ففي عام 2025 ارتفعت صادرات الصين من أدوات الآلات وقطع غيار السيارات إلى دول رابطة الآسيان بنسبة 56.1% و22% على التوالي على أساس سنوي)، فيما يواصل الاعتماد الاقتصادي المتبادل تشكيل الحسابات الإقليمية. ومن ثمّ يُنظر إلى الحفاظ على الاستقرار في بحر الصين الجنوبي باعتباره أمرًا أساسيًا لصون تدفقات التجارة والاستثمار ومرونة سلاسل الإمداد.
بالنسبة إلى الصين، توفّر مدوّنة السلوك وسيلة لتشكيل البيئة الاستراتيجية (دراسات القانون الدولي ص 50) من دون تقديم تنازلات بشأن مطالبها السيادية الجوهرية. وهي تُظهر أن بكين ترحّب بقنوات الاتصال المفتوحة وتحرص على الظهور كشريك إقليمي متجاوب، ما دامت مطالبها الإقليمية لا تُوضَع موضع تحدٍّ. وتعتبر بكين أن المدوّنة مقبولة طالما أنها لا تمسّ ترسيم الحدود أو تقوّض طموحاتها البحرية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، تؤدي المدوّنة دور «وسادة دبلوماسية»؛ أي خفض المخاطر الآنية مع إرجاء الحلول الجوهرية.
ورغم أن المدوّنة مستبعد أن تُحدث تحولًا في ميزان القوى الاستراتيجي في بحر الصين الجنوبي — لكونها غير ملزمة قانونيًا — فإن التفاعلات بين الصين وآسيان والفلبين تعكس أهمية بناء الثقة في خضم أزمة بحر الصين الجنوبي.
وفي ظل احتدام التنافس بين القوى الكبرى، تجد الصين مصلحة أيضًا في إظهار الانخراط الدبلوماسي وتحمل المسؤولية الإقليمية عبر الآليات التي تقودها آسيان.
آفاق المرحلة في ظل رئاسة الفلبين
نظرًا إلى محدودية نطاق المدوّنة، يبدو تحقيق تقدم تدريجي في عام 2026 احتمالًا قائمًا. فرئاسة الفلبين للرابطة يمنح مانيلا فرصة لوضع جدول الأعمال وقوة الدعوة إلى الانعقاد، بما يمكّنها من الدفاع عن حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي وصون الأمن البحري عبر منصة إقليمية تقودها آسيان.
وتبدو إدارة ماركوس الابن مدركة أن إدارة التوترات في «بحر الفلبين الغربي» تظل مهمة شاقة، غير أن إظهار زخم دبلوماسي يكتسب أهمية استراتيجية على المستويين الداخلي والدولي.
وقد أشار الاجتماع الأخير لوزراء خارجية رابطة آسيان إلى التزام متجدد بإنهاء مفاوضات مدوّنة السلوك خلال عام 2026.
وبالتوازي مع ذلك، طرحت الفلبين «إعلانًا للتعاون البحري» حظي بترحيب من دول الرابطة. ويركّز هذا المقترح على التعاون العملي بدلًا من قضايا السيادة، بما ينسجم مع تفضيل رابطة آسيان للوصول إلى نتائج عملية تعزّز بناء الثقة.
خاتمة: نافذة استراتيجية لا تسوية استراتيجية
سواء جاء اعتماد مدوّنة قواعد السلوك (COC) بما يخدم مصلحة الفلبين، أو جاء كحلٍّ وسط، أو اكتفى بتكريس الوضع القائم، يبقى الأمر محلّ نقاش. لكن الواضح أن عام 2026 يفتح أمام رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) — والفلبين على وجه الخصوص — نافذة استراتيجية لتعزيز الدبلوماسية الإقليمية، وإثبات الحضور، وإضفاء قدر من الاستقرار على مجال بحري مضطرب.
فحتى لو أُقِرّت المدوّنة، فإنها لن تعالج جذور النزاع في بحر الصين الجنوبي. ستظلّ الخلافات حول السيادة الإقليمية قائمة، كما أن الحوادث البحرية لن تختفي تماماً. ومع ذلك، وفي ظلّ رئاسة الفلبين لآسيان ودفعها نحو إقرار المدوّنة، يمكن أن تؤدي دوراً استراتيجياً أوسع يتمثل في ترسيخ الاستقرار الإقليمي عبر كبح السلوكيات العدوانية لأطراف النزاع. كما يمكنها إعادة تأكيد مركزية آسيان، وصون الاستقلالية الإقليمية، ومنع تحوّل التنافس إلى صراع مفتوح.
ومن منظور السياسات العامة، ينبغي قياس النجاح في التعامل مع أزمة بحر الصين الجنوبي لا بمدى تسوية النزاعات، بل بقدرة آسيان على إدارتها وفق شروطها الخاصة.




