العمليات العسكرية الإيرانية في مرحلة جديدة: الإكراه اللامركزي وزعزعة الاستقرار عبر الحدود

من الانتقام إلى انتشار الإكراه

الاستجابة العسكرية الإيرانية في شهري فبراير-مارس هي نتيجة لتحول في استراتيجية الإكراه. بدلاً من الانتقام الفردي أو القيادة والسيطرة المركزية بالكامل، أظهرت طهران نمطًا من “الإكراه الموزّع”: تنفيذ لامركزي، واستهداف نقاط عسكرية واقتصادية محددة ذات تأثير مرتفع، واستمرار في وتيرة العمليات، وممارسة ضغط غير مباشر على المجتمع في مختلف أنحاء المنطقة. تجاوزت أحدث الإجراءات الأهداف العسكرية لتشمل البنية التحتية الاقتصادية غير العسكرية، ولا سيما ميناء الدقم التجاري في سلطنة عُمان، والبنية التحتية للطاقة السعودية في رأس تنورة، مع تداول مزاعم أخرى بشكل غير متسق عبر المصادر المفتوحة بشأن أصول نفطية بحرية مرتبطة بدولة الإمارات العربية المتحدة، مما يستدعي تقييمًا دقيقًا لهذه المعلومات.

تتناول هذه الورقة النهج الإيراني عبر أربع مستويات من التفاعل: استراتيجية (توسيع نطاق ساحة المعركة بهدف فرض تكلفة سياسية واقتصادية على المنطقة)، وعملياتية (القيادة اللامركزية وتعدد مجالات الضغط للحفاظ على وتيرة واستمرارية الرد الإيراني)، وتكتيكية (هجمات متكررة صغيرة الحجم وحزم تهديدات مختلطة لاستنزاف موارد الدفاع حتى الإرهاق)، ومجتمعية (ممارسة ضغط غير مباشر على الاستقرار داخل دولة ثالثة عبر الاضطراب والخوف والإرهاق السياسي).

اعتمدت العقيدة العسكرية الإيرانية بشكل كبير على نموذج غير متماثل، وردع، وإدارة التصعيد. تشير العمليات الأخيرة إلى نضج في العقيدة وتطور في الإجراءات المتخذة؛ إذ انتقلت طهران من المواجهة المباشرة في ساحة المعركة، إلى مزيج من العمليات الحركية، وإحداث اضطراب اقتصادي، وتأثيرات اجتماعية واقتصادية غير مباشرة، بهدف زيادة الضغط بما يتجاوز ميدان القتال.

بدلاً من السعي إلى تحقيق نصر عسكري حاسم، يبدو أن إيران أكثر اهتمامًا بتحقيق إجهاد تراكمي: حالة عدم يقين مطوّلة، وضغوط سياسية، ومخاطر اقتصادية تمتد عبر النظام الإقليمي. حتى عندما تنجح منظومات الدفاع الجوي والصاروخي في اعتراض التهديدات الواردة، فإن ما يرافق ذلك من إغلاقات للمجال الجوي، وآثار الحطام، وتأثيرات على حركة الملاحة البحرية، وانعكاسات على قطاع التأمين، ومخاوف عامة، يؤدي في أوقات الحرب إلى ضغوط سياسية قد تستمر بعد انتهاء الحدث على المستوى الحركي.

فهم هذا النموذج يتطلب تحليلًا لما يلي: (i) كيفية اختيار إيران للأهداف، (ii) تسلسل العمليات عبر الزمن، (iii) كيفية تفويض السلطة في ظل ظروف متنازع عليها، و (iv) كيفية استخدام إيران للآثار غير المباشرة من الدرجة الثانية مثل تقلبات الأسواق والإرهاق السياسي الداخلي.

التغير على المستوى الاستراتيجي: توسيع ساحة المعركة

2.1 الانفتاح جغرافيًا وسياسيًا

تُعدّ إحدى السمات الاستراتيجية المميزة لتحركات إيران في فبراير-مارس 2026 هي توسيع نطاق الضغط ليشمل العديد من الدول، ولا سيما تلك التي تنتشر فيها القوات الأمريكية أو توجد فيها بنية تحتية حيوية. تمثل الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة واعتراضها فوق الخليج مثالًا على الضغط الموزّع الذي يُجبر عدة حكومات على إدارة المخاطر بشكل متزامن. يكتسب الانتشار الاستراتيجي أهمية لأنه يفرض عبئًا على التنسيق بين الشركاء، ويرفع التكاليف السياسية الداخلية لإدارة الأزمات، ويوسّع “الجمهور” المتأثر بعمليات الإكراه.

2.2 استهداف النقاط غير العسكرية والاقتصادية

تجاوز الرد الإيراني الأهداف المباشرة (ذات الطابع العسكري أساسًا) ليشمل البنية التحتية المدنية القريبة والاقتصادية عبر توظيف النفوذ المنهجي.

عُمان (غير عسكرية): استهدفت هجمات الطائرات المسيّرة ميناء الدقم التجاري، ما أسفر عن إصابة أحد العمال. ذكرت وكالة رويترز أن ناقلة نفط تعرضت للاستهداف قبالة سواحل عُمان عقب حادثة الدقم، وهو ما يبرز عنصر استخدام الاضطرابات البحرية والتجارية كأداة للإكراه. المملكة العربية السعودية (قطاع الطاقة): وفقًا لتقرير لوكالة رويترز، أغلقت شركة أرامكو السعودية مصفاة الرفاء النفطية نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة، وقد اعتُبر هذا الإغلاق مؤشرًا على تصاعد متزايد في حدة التصعيد وارتفاع المخاطر على قطاع الطاقة. الإمارات العربية المتحدة (الأصول البحرية وقطاع الطاقة): تشير تقارير متعددة إلى آثار محتملة في مناطق مرتبطة بالنفط البحري ومواقع قريبة من منشآت الدفاع الجوي. وعليه، ينبغي اعتبار هذه المعلومات تقارير أو ادعاءات لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقق والدعم. في جميع هذه الحالات، يمكن تفسير منطق الاستهداف على أنه تعطيل للنظام؛ إذ إن الموانئ والمصافي والشحن والأصول البحرية تضاعف أثر الاضطراب بما يتجاوز نطاقها المادي المباشر، وهو ما تأكد أيضًا من خلال إغلاق مضيق هرمز.

التغير على المستوى العملياتي: القيادة اللامركزية، واستمرار الوتيرة، و”موجات الهجوم”

3.1 التنفيذ اللامركزي والجاهزية

ترتبط مرونة إيران العملياتية بمفاهيم القيادة اللامركزية التي تمت الإشارة إليها في الخطاب الإيراني منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وغالباً ما يُستخدم فيها مصطلح “الدفاع الفسيفسائي”. تُصاغ هذه الفكرة في المصادر الإيرانية على أنها إتاحة المبادرة المحلية وضمان الاستمرارية حتى في حال تدهور القدرة على التنسيق على المستوى المركزي. وقد أشارت مصادر خارجية بالمثل إلى أن الهياكل اللامركزية قد تُبقي على الاستمرارية العملياتية خلال فترات استنزاف القيادة والأصول، مقايِضةً بعض الكفاءة العملياتية مقابل تعزيز قابلية البقاء.

بالنسبة لمخططي الردع، فإن الدلالة تتمثل في أن الاستراتيجيات التي تعتمد على شلّ مركز قيادة واحد قد تفشل في مواجهة نظام مُصمَّم على الاستمرارية، بالاعتماد على قدر من توزيع السلطة.

3.4 تكامل متعدد المجالات

وتستند الحملة الإيرانية في عدد من المجالات، مثل استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لإرهاق أنظمة الدفاع الجوي، والقدرات البحرية لتعطيل التجارة، والقدرات الإلكترونية لخلق حالة من عدم اليقين. أفادت شركة Windward بوجود تشويش واسع الانتشار على أنظمة تحديد المواقع GPS في ممرات الشحن في الخليج، وذلك كمثال على وسيلة لزيادة التدابير القسرية حتى دون اللجوء إلى تدمير السفن بشكل مباشر.

الضغط المجتمعي كمستوى جديدة من أدوات الإكراه

1.4 الاضطراب الخارجي كعامل ضغط سياسي داخلي

تزداد قدرة إيران على التأثير عبر أدوات الإكراه من خلال قنوات المخاطر المجتمعية والاقتصادية، مثل تعطيل حركة الطيران، وارتفاع تكاليف تأمين الشحن البحري، واضطرابات أمن الموانئ، وعدم اليقين في أسواق الوقود. قيّم هيرتنشتاين وميلز وساول أن إيران تمتلك القدرة على ممارسة ضغط معطِّل باستخدام الطائرات المسيّرة حول مضيق هرمز لفترة ممتدة من الزمن، ما يبرز القابلية الاستراتيجية الضعيفة للتجارة البحرية ونقل الطاقة.

2.4 الاضطرابات البحرية والتشويش الإلكتروني بوصفها “إكراهاً غير مرئي”

وباعتباره عاملاً معزِّزاً مهماً مرتبطاً بالضغط المجتمعي، يتمثل ذلك في الاضطراب الإلكتروني والملاحي. ووفقاً لتقرير Windward، فقد تعرض أكثر من 1,100 سفينة لتشويش على أنظمة تحديد المواقع GPS ونظام التعريف الآلي AIS في منطقة الخليج خلال فترة 24 ساعة، مما أدى إلى مخاطر تتعلق بالسلامة والامتثال والجانب التجاري، حتى دون وقوع تدمير للسفن. كما أشار بورغِس إلى تسجيل ارتفاعات في حالات التشويش على أنظمة GPS أثّرت على أعداد كبيرة من السفن خلال فترة الصراع، مما يعزز الملاحظة بأن الآثار القسرية باتت تنتقل بشكل متزايد عبر عدم اليقين والاضطراب والخوف من التصعيد، وليس فقط عبر إحداث أضرار مباشرة.

التأثرات السياساتية

ينبغي على الحكومات الإقليمية أن تنظر إلى مرونة البنية التحتية المدنية (وقد اتخذت بعض الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة، بالفعل خطوات في هذا الاتجاه)، بما في ذلك الموانئ ومواقع تخزين الوقود والمصافي ومراكز الطيران والخدمات اللوجستية البحرية، باعتبارها عنصراً رئيسياً في الدفاع الوطني. وهذا يتطلب تخطيطاً لضمان الاستمرارية، وسرعة إعادة فرض النظام، وتوفير البدائل (الازدواجية)، بالإضافة إلى تنسيق أساليب التواصل العام بهدف الحد من مستويات الذعر وردود الفعل المبالغ فيها في الأسواق.

ينبغي على مخططي الدفاع أن يضعوا خططاً لعمليات ممتدة ومتعددة بوتيرة عملياتية عالية، وليس لردّ فعل انتقامي قصير الأمد، حتى بعد انتهاء الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. يشير ارتفاع موجات المصدر الإيراني إلى الموجتين الحادية عشرة والعشرين إلى منطق المثابرة واستمرار الحملة على الرغم من الضغط العالي. وأخيراً، ينبغي ربط الاضطرابات البحرية والتشويش الإلكتروني في خطط الطوارئ، استناداً إلى النطاق المثبت للتشويش على أنظمة GPS وAIS وما يسببه ذلك من تأثير على إدارة مخاطر الشحن وثقة التجارة الإقليمية.

الخاتمة

تعكس العمليات الإيرانية خلال الفترة من فبراير إلى مارس 2026 تطوراً نحو نمط من الحرب القسرية الموزعة، يشمل التنفيذ اللامركزي، والاستهداف الانتقائي للعقد العسكرية وتلك التي تمثل نقاط ارتكاز للنظام، والحفاظ على وتيرة عملياتية مستمرة زمنياً، فضلاً عن ممارسة ضغط غير مباشر على المجتمع. التصعيد العلني من المراحل المبكرة إلى المتأخرة (مثل الموجتين الحادية عشرة والعشرين)، كما تعكسه المصادر الإيرانية، يتماشى مع تحليل حملة متدرجة تهدف إلى إبقاء الضغط مستمراً لفترة زمنية ممتدة. ويؤكد ذلك استخدام الضغط على البنية التحتية الاقتصادية والنقاط التجارية (مثل استهداف خزانات الوقود في الدقم، ومحاولات ممارسة ضغط اقتصادي على محطات الوقود، واستمرار أنشطة التهديد)، مما يعزز التحول من نمط الانتقام في ساحة المعركة إلى نمط من الاضطراب على مستوى النظام ككل.

يمتد العمق الاستراتيجي لإيران إلى ما هو أبعد من حرب الوكلاء الإقليمية، ليشمل شبكات دعم وتسهيل ونفوذ عابر للحدود في أوروبا والولايات المتحدة، وفي أجزاء من منطقة الخليج. وتكمن الأدلة الأكثر ترجيحاً في مجالات التمويل، واللوجستيات، والتجنيد، والتسهيل غير العلني، والتأثير الأيديولوجي، أكثر من كونها “تعاطفاً” واسع النطاق يمكن قياسه بشكل مباشر. بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة، يبدو أن هناك مخاطر تتعلق بالارتباط بحزب الله وبالبُنى التحتية الإيرانية وتمويلاتها. فيما يتعلق بالخليج، يبدو أن تطوّر نفوذ إيران يتركّز على الروابط السياسية و الاجتماعية والطائفية والميليشيا، ولا سيما في العراق وعبر البيئة الخليجية الأوسع. ينبغي أن تستكشف تقييمات المخاطر المستقبلية إمكانية تحوّل الإكراه الموزّع إلى اضطرابات اجتماعية لامركزية تمتد عبر عدة دول على مستوى العالم، وذلك من خلال استخدام اللامركزية في القيادة، وضبابية الشبكات، والهشاشة الاجتماعية لفرض تكاليف سياسية يصعب التنبؤ بها أو نسبتها أو مواجهتها.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙