توجه إيران نحو القرن الإفريقي يُحدث تحولاً في الواقع الأمني على الأرض وفي تفعيل الطرق التجارية الممتدة على طول سواحل شرق إفريقيا.
ويُعد تزايد اهتمام إيران بالقرن الإفريقي تطوراً متوقعاً نظراً للأهمية العالمية التي تتمتع بها هذه المنطقة. ويتكوّن القرن الإفريقي من كلٍّ من إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي، ويُعد بمثابة ممر حيوي ضيق للتجارة الدولية. ويربط طريق البحر الأحمر بين منطقة المحيطين الهندي والهادئ ودول الشرق الأوسط وأسواق الاتحاد الأوروبي. يمكن أن يكون لعدم الاستقرار في القرن الإفريقي تبعات تمتد إلى نطاق جغرافي أوسع يشمل منطقة الشرق الأوسط، والأهم من ذلك الاقتصاد العالمي. وليس من المستغرب، إذن، أن تكون إيران قد انخرطت خلال السنوات القليلة الماضية سياسيًا واقتصاديًا في القرن الإفريقي، وبذلت جهودًا خاصة لتعزيز علاقاتها الثنائية مع الدولة المحورية في المنطقة — إثيوبيا.
لقد جذبت الأهمية الجيوسياسية للقرن الإفريقي العديد من القوى الأجنبية، ويُعدّ انخراط إيران المتزايد نتيجةً للفرص الاقتصادية المحتملة التي يمكن أن تجنيها من التجارة والاستثمار في هذه المنطقة الشاسعة. كما أن هناك زخمًا سياسيًا يدفع هذا الانخراط؛ فبما أن بعض دول المنطقة، مثل السودان وإريتريا، كانت خاضعة للعقوبات الأمريكية، فقد تمكنت إيران في البداية من توسيع نفوذها بين أولئك الذين لم يكونوا راضين عن النهج الغربي تجاه المنطقة. ومما سهّل أيضًا الوجود الإيراني في القرن الإفريقي سعي دول المنطقة إلى تنويع سياساتها الخارجية وعلاقاتها التجارية في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. إضافة إلى ذلك، فإن وجود عدد كبير من السكان المسلمين في المنطقة يجعل من تطوير علاقات أوثق مع إيران أمرًا طبيعيًا، ويعزز العلاقات الشعبية بين الجانبين[1].
ترى إيران أن تعزيز نفوذها في القرن الإفريقي يتماشى مع رؤيتها الرامية إلى تأمين الملاحة عبر طرق التجارة الرئيسية التي تمر عبر البحر الأحمر وخليج عدن[2].
فالملاحة غير المقيّدة تتيح لإيران تصدير نفطها إلى قلب القارة الإفريقية — وهي وسيلة فعالة للحد من آثار العقوبات الغربية التي أثقلت كاهل اقتصاد الجمهورية الإسلامية لعقود. كما تسعى إيران إلى تأمين منفذ بحري إلى القارة الإفريقية، إذ من شأن ذلك أن يتيح لطهران إمكانية إرسال سفنها الحربية في حالات الطوارئ، مثل تلك التي وقعت في عامي 2021 و2022 عندما أرسلت الجمهورية الإسلامية قطعًا بحرية للدفاع عن سفنها التجارية[3].
إيران وإثيوبيا
تُعدّ إثيوبيا حالة مثيرة للاهتمام على وجه الخصوص في إطار تنامي علاقات إيران مع دول القرن الإفريقي، وهي علاقة تمتلك مقومات لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت إثيوبيا أول دولة في المنطقة تقيم علاقات دبلوماسية مع إيران في ستينيات القرن الماضي.
وقد شاركت الدولتان رؤية متقاربة خلال فترة الحرب الباردة، ولا سيما قبل الثورة الإسلامية عام 1979، حين كان الإمبراطور هيلا سيلاسي في إثيوبيا والشاه محمد رضا بهلوي في إيران يتبنيان رؤية مشتركة مناهضة للشيوعية[4].
لذلك، عندما وقعّت طهران وأديس أبابا في مايو 2025 على معاهدة أمنية، كانت هذه المعاهدة مستندة إلى روابط تاريخية عميقة بين البلدين[5]. تأمل الوثيقة إلى تعزيز أوجه التعاون في مسائل مثل منع الجرائم العابرة للحدود والتدريب في المجالات العسكرية والأمنية. وتشير المعاهدة الأمنية إلى أن أديس أبابا تمارس سياسة متوازنة بين القوى الإقليمية المتنافسة بين المنافسين الإقليميين، مما يعكس نهجها البراغماتي في السياسة الخارجية[6]. وكان هذا التوازن واضحًا أيضًا في عام 2016، عندما لم تقطع إثيوبيا علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية[7]، في الوقت الذي قامت فيه دول إقليمية أخرى بذلك. وقد أثبتت السياسة الخارجية المتوازنة لإثيوبيا فائدتها الكبيرة لإيران، لا سيما بالنظر إلى انسحاب الأخيرة من منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى خلال السنوات العشر الأوائل من العقد 2010، وبروز الحاجة للتركيز على مناطق أخرى من القارة الإفريقية[8].
يكمن الدافع وراء تعزيز العلاقات الإثيوبية-الإيرانية في مصالحهما الجيوسياسية الخاصة.
ويستند مستوى التعاون العسكري المتزايد إلى تزويد إيران لإثيوبيا بطائرات مسيرة محلية الصنع من طراز مجاهِر-6 في الفترة 2020-2022، وذلك أثناء اندلاع النزاع في إقليم تيغراي شمال البلاد[9]. ويندرج الانخراط العسكري الإيراني مع إثيوبيا ضمن الملف المتنامي للجمهورية الإسلامية كأحد المصدرين الرئيسيين للأسلحة الحديثة على مستوى العالم. كما تُعد إثيوبيا مهمة لإيران، إذ أن الجغرافيا الإثيوبية تتيح لطهران بناء النفوذ السياسي ليس فقط في بقية دول القرن الإفريقي، بل أيضًا في قلب القارة الإفريقية نفسها.
علاوة على ذلك، تُعد إثيوبيا قوة اقتصادية سريعة النمو، وتبدي الشركات الإيرانية اهتمامًا بالاستفادة من هذا السوق ذو الجدوى الاقتصادية العالية.
بالنسبة لإثيوبيا، يهدف تعزيز العلاقات مع إيران إلى تنويع سياستها الخارجية والسعي للحصول على أسلحة متقدمة ومعلومات استخباراتية للتعامل بشكل أفضل مع التحديات الداخلية العرقية وكذلك التحديات الخارجية. وتُعد إريتريا أحد مجالات الصراع المحتملة. فبالرغم من أن إثيوبيا وإريتريا قامتا بتطبيع العلاقات وتشكيل جبهة مشتركة ضد قوات تيغراي، إلا أنه مؤخرًا حدث توتر بين الطرفين. ومن الأسباب وراء ذلك اتفاقية السلام في بريتوريا الموقعة عام 2022، والتي سمحت لإريتريا بالإبقاء على قوات داخل إثيوبيا. ثانيًا، تعارض إريتريا رغبة إثيوبيا في السعي للحصول على منفذ بحري على ساحل البحر الأحمر. وفي الواقع، فإن الاتفاق المنفصل لأديس أبابا مع أرض الصومال – الإقليم المنفصل عن الصومال – أثار مخاوف لدى جيران إثيوبيا.
السياق الأمني الأوسع – الارتباط بالشرق الأوسط
هناك أيضًا سياق أوسع يدفع إيران إلى تعزيز انخراطها في القرن الإفريقي. فعلى سبيل المثال، انضمت إثيوبيا وإيران مؤخرًا إلى مجموعة البريكس، وهي تجمع متعدد الأطراف يهدف إلى إعادة تشكيل النظام العالمي الحالي بطريقة تمنح الجنوب العالمي دورًا أكبر في الشؤون الدولية. ومع ذلك، تحرص إثيوبيا على تجنب الانحياز الكامل لأي قوة كبرى، وتسعى بدلاً من ذلك إلى تحقيق توازن في علاقاتها الخارجية.
علاوة على ذلك، ينبغي النظر إلى تعزيز علاقات إيران مع القرن الإفريقي في سياق جهودها لبناء علاقات اقتصادية وسياسية أوثق مع القارة الإفريقية. ففي عام 2023، قام الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي بجولة في دول محيطة بالقرن الإفريقي[10].
وفي أوائل عام 2025، استضافت طهران القمة الثالثة الإيرانية - الإفريقية مع التركيز على تعزيز العلاقات التجارية، حيث شارك نحو 700 ممثل تجاري من 38 دولة إفريقية في هذا التجمع[11]. وتأتي نية إيران لتعزيز حضورها في وقت تراجع فيه النفوذ الفرنسي عبر منطقة الساحل، بينما سعت واشنطن إلى تحقيق هدفها المعلن المتمثل في إعادة توجيه سياستها الخارجية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وعلاوة على ذلك، فإن تفكيك وكالة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) من قبل واشنطن، والتي كانت حاضرة بقوة في القارة الإفريقية من خلال شبكة من البرامج الاجتماعية والصحية والتعليمية، يوفر الآن فرصًا للقوى الأخرى لتعزيز نفوذها الناعم من خلال زيادة الإنفاق على البرامج التعليمية والثقافية.
يتمثل جانب آخر من انخراط إيران المتزايد مع إفريقيا في تصدير الأسلحة لمجموعة واسعة من الأطراف. كما تعمل إيران على توسيع صادراتها من المنتجات الزراعية والحيوانية والآلات. فعلى سبيل المثال، في منتصف عام 2023، تم توقيع عدة اتفاقيات بين الشركات الإيرانية والأفريقية لتصدير المعدات الطبية والأدوية إلى إفريقيا[12]. وبالإضافة إلى ذلك، ومن منظور إقليمي، تنظر إيران إلى القرن الإفريقي كفرصة لبناء روابط أفضل مع اليمن.
وعلى المدى الطويل، قد يكون للتطورات في القرن الإفريقي انعكاسات محتملة على الشرق الأوسط، نظرًا لتزايد الترابط الاقتصادي والدبلوماسي بشكل متنامي بين المنطقتين.
التوصيات
بالتالي، فإن السياسة الخارجية لإيران تجاه القرن الإفريقي مدفوعة بالضرورات الجيوسياسية.
وتظل الاستفادة من الفرص التجارية المتنامية في المنطقة وموقعها الجغرافي عند مفترق طرق التجارة الرئيسية من أكبر الحوافز التي تدفع طهران للتواصل مع إثيوبيا وبقية دول القرن الإفريقي. وعلى المدى الطويل، فإن ما يجعل القارة الإفريقية وجزئها الشرقي أرضًا خصبة لتدخل القوى الخارجية هو الوضع الاقتصادي النسبي الضعيف للمنطقة. وكتوصية رئيسية لصانعي السياسات، فإن معالجة هذه المشكلة الجذرية لن يجعل المنطقة أكثر أمانًا فحسب، بل سيجعلها أيضًا أكثر حصانة أمام التأثيرات الخارجية. ومع التوسع في العلاقات الجيوسياسية بين القرن الإفريقي والشرق الأوسط، من المتوقع أن يستفيد الأخير من تنامي الظروف الأمنية في شرق إفريقيا. لا شك أنه في عصر التحولات في شبكات الاتصال العالمية، ومع ظهور طرق تجارية جديدة عبر أوراسيا، تزداد أهمية الممرات البحرية بين شرق إفريقيا والشرق الأوسط.
تتعلق بالأمن والدفاع
بيان إخلاء المسؤولية:
الآراء والأفكار الواردة في سلسلة منشورات "رؤى وآراء" تعبر عن وجهات نظر كتّابها فقط، ولا تعكس
بالضرورة السياسة الرسمية أو موقف مركز ربدان للأمن والدفاع أو أي من الجهات التابعة له أو أي جهة
حكومية. يُنشر هذا المحتوى لأغراض إعلامية، ويعكس الرؤى الشخصية للمؤلفين حول مواضيع متنوعة
تتعلق بالأمن والدفاع
إميل أفدالياني هو أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأوروبية في تبليسي، جورجيا، وباحث في طرق الحرير. يمكن التواصل معه من خلال منصة تويتر/اكس @emilavdaliani.
[1] Oral Toğa, “Iran's Growing Presence in the Horn of Africa and Yemen”, Iram Center, December 23, 2023, https://iramcenter.org/en/irans-growing-presence-in-the-horn-of-africa-and-yemen_en-2442
[2] Leonardo Jacopo Maria Mazzucco, “Iran and the Horn of Africa: The Stakes and Hurdles of Building a Strategic Foothold”, Gulf International Forum, April 22, 2024, https://gulfif.org/iran-and-the-horn-of-africa-the-stakes-and-hurdles-of-building-a-strategic-foothold/
[3] “Iranian Navy Flotilla Wraps up Four-Month Atlantic Deployment, Pledges More International Operations”, USNI News, September 10, 2021, https://news.usni.org/2021/09/10/iranian-navy-flotilla-wraps-up-four-month-atlantic-deployment-pledges-more-international-operations
[4] “Ethiopia and Iran enters intel sharing agreement”, Military Africa, May 16, 2025, https://www.military.africa/2025/05/ethiopia-and-iran-enters-intel-sharing-agreemen/
[5] “Ethiopia, Iran police chiefs sign security, intelligence collaboration MoU”, Addis Standard, May 6, 2025, https://addisstandard.com/ethiopia-iran-police-chiefs-sign-security-intelligence-collaboration-mou/?amp=1
[6] Eric Lob, “Iran and Ethiopia have a security deal – here’s why they signed it”, DiA, May 15, 2025, https://democracyinafrica.org/iran-and-ethiopia-have-a-security-deal-heres-why-they-signed-it/
[7] Micheale Kihishen Gebru, “The United Arab Emirates Engagement in Ethiopia”, SWP-Berlin, March, 25, 2025, https://www.swp-berlin.org/assets/afrika/publications/policybrief/MTA-PB35_UAE_Engagement_in_Ethiopia_Gebru_Korrektur.pdf
[8] Eric Lob, “Iran and Ethiopia have a security deal – here’s why they signed it”, DiA, May 15, 2025, https://democracyinafrica.org/iran-and-ethiopia-have-a-security-deal-heres-why-they-signed-it/
[9] Zecharias Zelalem, “Deadly skies: Drone warfare in Ethiopia and the future of conflict in Africa”, ECFR, February 28, 2025, https://ecfr.eu/publication/deadly-skies-drone-warfare-in-ethiopia-and-the-future-of-conflict-in-africa/
[10] “Iranian President Raisi begins Africa trip with visit to Kenya”, Reuters, July 12, 2023, https://www.reuters.com/world/iranian-president-raisi-begins-africa-trip-with-visit-kenya-2023-07-12/
[11] Danny Citrinowicz, “Iran Seeks to Expand Its Influence in Africa”, IISS, May 29, 2025, https://www.inss.org.il/social_media/iran-seeks-to-expand-its-influence-in-africa/
[12] Oral Toğa, “Iran's Growing Presence in the Horn of Africa and Yemen”, Iram Center, December 23, 2023, https://iramcenter.org/en/irans-growing-presence-in-the-horn-of-africa-and-yemen_en-2442




