داخل المشهد الدفاعي المتغير في أميركا اللاتينية خلال معرض فيداي

تحولات جيوسياسية وأسواق متغيرة

بعد 46 عامًا، رسّخ معرض تشيلي الثنائي للطيران والفضاء والدفاع والأمن في تشيلي «فيداي» (المعرض الدولي للطيران والفضاء والدفاع والأمن) مكانته كأكبر حدث دفاعي في أمريكا اللاتينية. وانطلقت فعاليات نسخة «فيداي 2026» هذا العام في سانتياغو، في ظل مشهد متغير يحمل تداعيات جيوسياسية وسوقية على مستوى المنطقة.

فقد فرضت تشيلي، في خطوة لافتة، حظراً على اثنين من أبرز مورّدي الأسلحة التاريخيين في أميركا اللاتينية: روسيا وإسرائيل. ولا يحتاج غياب روسيا إلى كثير من التفسير، إذ إن حضورها في كبرى المعارض الدفاعية الدولية تراجع بشكل حاد منذ غزو أوكرانيا عام 2022. وفي أميركا اللاتينية، لا تزال معدات روسية الأصل مستخدمة في عدد من الدول، الأمر الذي خلق تحديات تتعلق بالصيانة وقطع الغيار، وأدى عملياً إلى خروجها من المشهد كمنافس فاعل في هذا المجال.

تُعد حالة إسرائيل لافتة بشكل خاص بسبب الانتشار الواسع لمعداتها عبر الفروع الثلاثة للقوات المسلحة التشيلية. وقد أدى هذا الاستبعاد إلى نقل الملحقية العسكرية الإسرائيلية إلى الأرجنتين. ورغم أن الرئيس التشيلي المنتخب حديثاً، أنطونيو كاست، قد رفع لاحقاً حق الفيتو عن إسرائيل، فإن ذلك لم يتم بإشعار مسبق كافٍ لوزارة الدفاع الإسرائيلية، عبر ذراعها التصديري، مديرية التعاون الدفاعي الدولي (SIBAT)، كي تتمكن من تجهيز جناحها التقليدي الذي يمثّل الصناعة الإسرائيلية.

كما لم تشارك الشركات الفردية أيضاً، رغم أنه بدا لفترة وجيزة أن شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) ستشارك، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة من الجالية الفلسطينية في تشيلي، وهي واحدة من أكبر الجاليات الفلسطينية خارج الشرق الأوسط.

في نهاية المطاف، لم تشارك سوى الشركات التابعة لشركة إلبيت سيستمز في البرازيل—AEL وAres—كجزء من الجناح البرازيلي، إلى جانب شركة الاستشارات DQ Pro التي مثّلت شركة إلبيت سيستمز الأمريكية.

ومع ذلك، لا يزال من المبكر جدًا إصدار حكم نهائي بشأن مستقبل العلاقات العسكرية بين البلدين.

فرصة تركيا

لقد كان لقرار تشيلي استبعاد الشركات الإسرائيلية صدى في السوق الإقليمي. ومن اللافت أن تشيلي كانت قد اختارت في البداية شركة «إلبيت لاند سيستمز» لبرنامج تحديث دبابات ليوبارد في عام 2021، قبل أن تلغي هذا التعاقد بشكل مفاجئ بعد عام واحد. وقد استغلت الشركة التركية "أسيلسان" هذا الفراغ، إذ فازت بالعقد في عام 2023 ضمن برنامج تعاون مع مصانع وورش الجيش التشيلي (FAMAE)، وهي الشركة المملوكة للدولة التابعة للجيش التشيلي، ومنذ ذلك الحين أنشأت أول فرع لها في أمريكا اللاتينية.

وقد أدى هذا القرار، الذي تلاه حظر إسرائيل، إلى تسريع تحول هيكلي أصبح واضحًا خلال معرض فيداي 2026. وبدعم من رئاسة الصناعات الدفاعية (SSB) وجمعية مصدّري الصناعات الدفاعية والطيران (SSI)، شغلت الشركات التركية المملوكة للدولة بعضًا من أكبر وأبرز الأجنحة في ثلاث قاعات عرض.

إلى جانب شركة أسيلسان، شاركت أيضًا شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية (MKE)، وشركة هندسة وتقنيات الدفاع والتجارة (STM)، وهافلسان (Havelsan)، وروكتسان (Roketsan) بعروض رئيسية واسعة النطاق.

وكان الانطباع البصري واضحًا لا لبس فيه: لقد اتخذت أنقرة قرارًا استراتيجيًا بالتوجه نحو أمريكا اللاتينية كسوق لصادراتها الدفاعية، وهي توظّف ثقلها المؤسسي بما يتناسب مع ذلك.

وأشار ممثلون أتراك إلى أن عضوية تركيا في حلف الناتو وسمعتها في نقل التكنولوجيا بشكل حقيقي تشكلان ميزتين تنافسيتين أساسيتين. ويهدف هذا الطرح إلى الترويج لفكرة إمكانية العمل البيني والتعاون مع التحالف الغربي، إلى جانب تقديم شراكة صناعية فعلية بدلاً من مجرد علاقة بيع وشراء أحادية الاتجاه.

قدوم الإمارات إلى تشيلي

شهدت هذه الدورة أيضًا الظهور الأول لمجموعة EDGE الإماراتية في تشيلي، من خلال حضور مشترك مع شركتها البرازيلية التابعة التي استحوذت عليها حديثًا، وهي شركة “الأنظمة المتكاملة ذات المحتوى التكنولوجي العالي” (SIATT) ذات الملكية الجزئية. وبالإضافة إلى الطائرة المسيّرة العمودية ANAVIA، والذخيرة الجوالة SHADOW 25، والمركبات المدرعة من نوع NIMR، عرضت شركة EDGE صاروخ MANSUP المضاد للسفن (الذي جرى تعديله أيضًا للإطلاق البري) وصاروخ MAX 1.2 المضاد للدروع، وهما نظامان تم تطويرهما أصلًا بواسطة SIATT.

حضور إماراتي آخر في تشيلي—وإن كان للمرة الثانية—تمثّل في شركة مجموعة المدرعات الدولية (IAG)، التي عرضت حلولها من المركبات المدرعة ذات العجلات، بما في ذلك فئات MRAP وIFV وAPC، والموجّهة للقوات العسكرية والأمنية. ورغم حداثة وجودها في المنطقة منذ أعوام قليلة، نجحت الشركة بالفعل في تحقيق مبيعات في كولومبيا، وللشرطة العسكرية في البرازيل، وكذلك لقوات الدرك في تشيلي.

كوريا الجنوبية تتبع مسار العقود

تواصل الصناعة الدفاعية الكورية الجنوبية توسعها بوتيرة متسارعة في الأسواق العالمية، فيما باتت أمريكا اللاتينية جزءًا متناميًا من هذا التوجه. في هذا السياق، شكّلت بيرو نقطة الانطلاق الإقليمية عبر شركة «سيما» لبناء السفن التابعة للبحرية. بدأت هذه العلاقة في عام 2013 من خلال عقود إنتاج مشترك بين «سيما» و«دايوو إنترناشيونال» و«داي سَن» لبناء سفينتي إنزال من فئة «ماكاسار»، بالإضافة إلى تعاون مع «إس تي إكس كوربوريشن» لتقديم الدعم الفني في بناء ستة زوارق دورية.

ومع ذلك، شكّل عام 2025 محطة بارزة، حيث وقّعت «سيما» عقد تصنيع بقيمة 460 مليون دولار مع «هيونداي للصناعات الثقيلة» لبناء فرقاطة، ووحدتي إنزال، وسفينة دورية بحرية. كما وقّعت «سيما» مذكرة تفاهم مع «هيونداي للصناعات الثقيلة» بشأن مشروع محتمل للغواصات. وبالتوازي، منحت القوات البرية البيروفية شركة «هيونداي روتيم» عقد توريد دبابات «كيه2» ومركبات مدرعة من طراز «كيه808»، وذلك ضمن مناقصة شهدت منافسة من شركات تركية وصربية.

على غرار تركيا، حفّزت هذه النجاحات «الوكالة الكورية لتشجيع التجارة والاستثمار» على تنظيم يوم الدفاع الكوري في عام 2025، وتكراره هذا العام ضمن معرض «فيداي»، حيث وسّعت أيضًا حضورها بمشاركة أكثر من 30 شركة، من بينها «كيا»، و«هيونداي»، و«بونغسان»، و«هانكوم إن سبيس»، و«إس آي آي إس».

ومع ذلك، كان الحضور الكوري الجنوبي الأبرز من نصيب «هانوا»—المنافس المباشر لشركة «هيونداي للصناعات الثقيلة»— من خلال وحداتها «هانوا أوشن»، و«هانوا سيستمز»، و«هانوا إيروسبيس».

بعد أن راقبت «هانوا» نجاح «هيونداي للصناعات الثقيلة» في بيرو، باتت تستهدف تشيلي بشكل واضح. ويقوم المنطق التنافسي هنا على بعد شبه جغرافي: فإذا كانت بيرو تُعد مجال نفوذ لشركة «هيونداي للصناعات الثقيلة»، فإن تشيلي—باعتبارها منافسًا إقليميًا لبيرو في بعض الجوانب—تتحول إلى الساحة الطبيعية التي تسعى «هانوا» لاستكشافها. وركّزت الشركة على الأنظمة البرية والبحرية، وأعلنت خلال المعرض عن اتفاقية تعاون بين «هانوا إيروسبيس» و«إندرا»—أكبر شركة دفاع في إسبانيا وأحد المورّدين الراسخين في أمريكا اللاتينية—لتسويق منصة «تيغون 6×6» إقليميًا مع دمج أنظمة «إندرا»، بالتوازي مع شراكة لتطوير مدافع هاوتزر لصالح الجيش الإسباني. وفي الخلفية، يظل ملف استبدال مركبات «موفاغ بيرانيا» في تشيلي قائمًا دون حسم.

انطلاق التشيك

من بين أكثر القصص إثارة للانتباه في معرض «فيداي 2026» كان حجم حضور صناعة الدفاع التشيكية. ففي حين كانت «رابطة صناعة الطيران التشيكية» قد شاركت في دورات سابقة، فقد جاءت هذا العام بمشاركة أكثر من خمس عشرة شركة—أي ما يقارب ضعف التمثيل السابق—وبدعم رسمي من «وزارة الصناعة والتجارة التشيكية».

ويرتبط هذا النمو أيضًا بنجاح تجاري ملموس، تمثّل في بيع ثلاث طائرات توربينية من طراز «إل-410 إن جي» التابعة لشركة «أومنيبول» إلى شركة «إيروكاردال» التشيلية المتخصصة في خدمات الطيران، إلى جانب الإعلان عن إنشاء مركز خدمة إقليمي لأمريكا اللاتينية. كما ظهرت إحدى أكبر شركات الدفاع التشيكية، «إس تي في غروب»، لأول مرة في معرض «فيداي»، حيث عرضت قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة وكذلك تصنيع الذخائر التقليدية.

وأكد ممثلون تشيكيون إمكانية اعتماد أطر حكومية بين الدول لتسهيل عمليات الشراء، مع إبداء اهتمام بقطاع الفضاء الناشئ في تشيلي، رغم أن التقدم في هذا المجال لا يزال محدودًا حتى الآن.

المنافسون الأمريكيون والوافدون الجدد

باعتبار الولايات المتحدة أكبر وأهم مورّد في مجال الطيران والدفاع في أمريكا اللاتينية، فقد كان حضورها قويًا، مع مشاركة أكثر من 70 شركة، وبدعم من القناة الأكثر استخدامًا في عمليات التوريد لدى العديد من القوات المسلحة، وهي «وكالة التعاون الأمني الدفاعي».

وبالإضافة إلى الشركات الرئيسية التقليدية مثل «لوكهيد مارتن»، و«RTX»، و«بي إيه إي سيستمز»، و«L3 هاريس»، و«بوينغ»، و«بيل»، ضمّ الجناح الأمريكي أيضًا شركات جديدة من منظومة «الفضاء الجديد» و«الدفاع الجديد»، التي تواصل تعزيز وجودها في السوق.

وقد شاركت شركة «شيلد إيه آي» للمرة الثانية في «معرض فيداي»، حيث عرضت طائرة «V-BAT» المسيّرة—التي تُباع بالفعل في كولومبيا وتخضع لمفاوضات بيع في المكسيك والأرجنتين—إلى جانب حلول أخرى مثل نظام القيادة والسيطرة المدعوم بالذكاء الاصطناعي «Hivemind».

وفي المقابل، قدّمت شركات «الفضاء الجديد» مثل «بلانِت» و«كابيلا» حضورًا محدودًا، عارضة حلول الاستطلاع والمراقبة المعتمدة على الأقمار الصناعية.

ومن بين الحضور الجديدين البارزين في معرض «فيداي» وعلى مستوى المنطقة، كانت شركة «إس تي إنجنيرينغ»، وهي إحدى أكبر الشركات في سنغافورة، والتي عرضت حلولًا قائمة على الأقمار الصناعية لمراقبة البيئة، بما يعكس توجهها نحو تطبيقات الرصد والتحليل البيئي. كما برزت شركة «سكاي فال» الأوكرانية الناشئة، التي استعرضت طائرتها المسيّرة من نوع «VAMPIRE» ذات التصميم السداسي (هيكساكوبتر)، والمعروفة بقدراتها القتالية المثبتة ميدانيًا في مهام الهجوم الأرضي.

الصين لا تتراجع أمام الضغوط الأمريكية

بدأ الحضور الصيني في «فيداي» منذ عام 2016، وكان تقوده بشكل ثابت شركة «نورينكو» (الشركة الصينية لصناعات الشمال)، التي تنشط إقليميًا عبر فنزويلا. وفي هذه الدورة من المعرض، ركّزت «نورينكو» على تقنيات الطائرات المسيّرة بما يعكس الاتجاهات المتنامية في السوق، مع إبراز محفظتها الواسعة من أنظمة التسليح البرية.

إلى جانب «نورينكو»، شاركت شركة «تشاينا إيروسبيس لونغ-مارش إنترناشونال» (ALIT)، وهي شركة تابعة لـ«مؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية (CASC)»، حيث عرضت طائرات مسيّرة وحلولًا لإطلاق الفضاء، في خطوة يُرجّح أنها تستهدف برامج الفضاء الناشئة في أمريكا اللاتينية. كما حضرت شركات صينية أخرى، من بينها شركة «ستار.فيجن» المتخصصة في حلول الأقمار الصناعية، وشركة «زيان» المصنعة للطائرات المسيّرة الصغيرة ذات المراوح الدوّارة، إضافة إلى شركة «نوفاسكاي تكنولوجي» التي تقدم حلولًا إلكترونية وأنظمة استطلاع واستخبارات.

ورغم أن الصناعة الدفاعية الصينية تبدو شديدة التنافسية في العديد من مناطق العالم النامي، فإن اختراقها لسوق أمريكا اللاتينية لا يزال محدودًا، ويتزايد تقييده بفعل ضغوط واشنطن وما تملكه من نفوذ كبير في المنطقة.

وقد ألقى مبدأ «الأمن نصف الكروي» الذي تتبناه إدارة ترامب بظلاله على التفاعل التجاري-العسكري الصيني في القارة الأمريكية، فيما يدرك المشترون جيدًا التعقيدات المرتبطة بالشراء من الصين في ظل تصاعد مستويات التدقيق والرقابة الأمريكية.

التحولات المتكررة والقيود المالية

برزت عدة موضوعات متكررة بين المشاركين في المعرض، من بينها تزايد أهمية الأنظمة غير المأهولة، وحلول البرمجيات الخاصة بمراقبة وضبط حركة الملاحة البحرية غير القانونية—وهي مشكلة شائعة في العديد من دول أمريكا اللاتينية—إلى جانب حلول المراقبة المعتمدة على الأقمار الصناعية، والمركبات المدرعة، وتحديث القوات البحرية، وهو مطلب ملحّ لعدد من دول المنطقة.

وفي حالة تشيلي تحديدًا، فإن اعتماد «الخطة الوطنية الطموحة لبناء القوات البحرية» عام 2025 ظل يجذب الاهتمام منذ فترة. وقد عرضت عدة شركات أجنبية، مثل «بابكوك» و«STM / أسيلسان» و«هانوا»، مقترحاتها في هذا الإطار خلال معرض «فيداي». غير أن المحلل «مارسيلو ماساييراس»، رئيس قسم الأبحاث في مركز «أثينا لاب» —أحد أبرز مراكز الفكر الدفاعي في تشيلي— أبدى حذرًا، محذرًا من أن «الميزانية المخصصة لصندوق القدرات الدفاعية الاستراتيجية لم تُصرف بشكل منتظم كما هو مخطط، مما أثار شكوكًا حول موثوقية التمويل في المستقبل».

وكما هو الحال غالبًا في أمريكا اللاتينية، فإن احتياجات الدفاع لا تتماشى دائمًا مع الواقع المالي.

عكس معرض «فيداي 2026» في نهاية المطاف سوقًا دفاعية تمر بمرحلة انتقالية، تتشكل بقدر ما تتأثر بالاصطفافات الجيوسياسية بقدر ما تتأثر بالوضع الصناعي. وتستفيد الأطراف الجديدة من الفرص السياسية المتاحة، في حين يواجه المورّدون التقليديون قيودًا متزايدة تعقّد حضورهم ونفوذهم في السوق.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙