عودة القوة الصلبة: دروس استراتيجية من المنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في ظل نظام عالمي آخذ في التفكك

لم يعد النظام الدولي مرتكزًا على قابلية التنبؤ، أو القواعد الدولية، أو الضمانات الأمنية الموثوقة بل يتطور نحو نظام متمحور حول القوة، حيث يشكل الأمن الصلب، والإكراه الاقتصادي، والسيطرة التكنولوجية محددات النتائج. بالنسبة لدول الخليج العربي ودول جنوب شرق آسيا، الواقعة عند مفترق طرق الأسواق العالمية، ومسارات التجارة، والتنافس الجيوسياسي، فإن هذا التحول ليس أمرًا يمكن التعامل معه باستخفاف. فهو يؤثر بشكل مباشر في الاستقلالية الاستراتيجية، واستقرار الأنظمة، والمرونة الاقتصادية، وإلى حدٍ ما في تخطيط الدولة الدفاعي. تعكس هذه المقالة الموضوعات المهيمنة والإشارات الاستراتيجية التي لوحظت في الجلسات العلنية، والحوارات الخاصة، ولقاءات القيادات خلال المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) لعام 2026. وبما أن المنتدى الاقتصادي العالمي ليس هيئة لاتخاذ القرار، فإنه لا يتبنى أي موقف استنادًا إلى منصاته الحوارية ومناقشاته. ومنذ عام 1971، يجمع المنتدى الاقتصادي العالمي الأكاديميين والقادة السياسيين وقادة الأعمال، معززًا الأفكار ذات الأثر المجتمعي. ويحظى هذا التجمع بتقديرٍ عالٍ لدى الخبراء لما يحققه من نتائج تبادلية، ولإرسائه أطر التعاون.

خلال عرض تقرير المخاطر العالمية 2026، برزت سبع تطورات عالمية تشير إلى أننا نعيش عقدًا يتسم بعدم اليقين والاضطراب . ((تقرير المخاطر العالمية 2026، ص. 2). وفي سياق القوة الصلبة، يجدر تفكيك ما يلي: تراجع الضمانات الأمنية الخارجية وتصاعد الأحادية، واستخدام التجارة كسلاح والاعتماد الاقتصادي المتبادل، وتأمين التقنيات المتقدمة، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.

الأحادية وتآكل الضمانات الأمنية الخارجية

سلّطت المناقشات في المنتدى الاقتصادي العالمي 2026 الضوء على تزايد عدم قابلية التنبؤ بسلوك القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب خلال فترته الرئاسية الثانية. يتجلى ذلك في تحول الممارسات الدبلوماسية الأمريكية من دبلوماسية إكراهية إلى تدخل انتقائي، مما زاد من حدة القلق العالمي في عام 2026، خصوصًا مع عملية “العزم المطلق” (Operation Absolute Resolve) ضد فنزويلا. في 3 يناير 2026، نفذت قوات أمريكية خاصة عملية عسكرية واسعة النطاق أُطلق عليها اسم “العزم المطلق” بهدف القبض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته بتهم تهريب المخدرات. وبالنسبة لدول الخليج التي تعتمد على الضمانات الخارجية للردع الأمني، فإن لذلك تداعيات مباشرة. فقد اعتمدت المنطقة لفترة طويلة على بنية ردع خارجية، لا سيما الولايات المتحدة، كركيزة لتحقيق الاستقرار الاستراتيجي والأمني. وفقاً للموقع الالكتروني (ISPI 2024, pg. 73). غير أن عامي 2025 وبداية 2026 كشفا أن القوى العظمى - ومثّلتها الولايات المتحدة بشكل بارز - بدأت تتصرف بشكل متزايد وفقًا لحسابات مصالح ومكاسب آنية أكثر من الالتزام بالأعراف والتحالفات التقليدية. وقد كررت إدارة ترامب في مناسبات عدة التشكيك في قيمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وهددت بعدم الدفاع عن الحلفاء الذين لا يوفون بأهداف الإنفاق الدفاعي المتفق عليها، معتبرة الضمانات الأمنية مرتبطة بالمساهمات المالية أكثر من كونها جزءًا من معاهدات الدفاع المشترك. وما يعنيه هذا بالنسبة لدول الخليج، رغم استمرار روابط التحالف، هو أن الضمانات الأمنية لم تعد ثابتة؛ بل أصبحت مرتبطة بالظروف والمصالح القابلة للتفاوض بدلاً من كونها التزامًا ثابتًا بموجب ترتيبات دفاعية راسخة.

استخدام التجارة كسلاح والاعتماد الاقتصادي المتبادل

من أبرز الرؤى المستخلصة من منتدى الاقتصادي العالمي 2026 هو الدور المتصاعد للتجارة والرسوم الجمركية. لم تعد التجارة والرسوم الجمركية تُنظر إليهما كمجرد أدوات لخدمة المصلحة الاقتصادية للدولة؛ ففي المنظور الدولي للاقتصاد، كثيرًا ما تُبرَّر الرسوم الجمركية ليس فقط من منظور كفاءة اقتصادية أو تصحيح السوق. بل باتت اليوم تُعامَل بوصفها امتدادًا للأمن الوطني للدولة. وبالنسبة للدول المعتمدة على التصدير، ولا سيما تلك التي تُصدّر إلى الولايات المتحدة، فقد قامت إدارة ترامب للفترة الرئاسية الثانية بفرض مراجعات جمركية على جميع الدول - وهي استراتيجية مدفوعة بدوافع سياسية (جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) (Make America Great Again)، بغضّ النظر عن العلاقات التجارية الراسخة منذ عقود

ومن شأن مراجعات الرسوم الجمركية أن تُحدث اضطرابًا في الأسواق، بما يضرّ بالمصنّعين والموردين الموثوقين على حد سواء. وقد يكون هذا الاضطراب مؤقتًا وقابلًا للإدارة بالنسبة للشركات التي قامت بتنويع نماذج أعمالها؛ غير أن الشركات التي لم تفعل ذلك - ولا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة - ستتكبد خسائر كبيرة نتيجة الرسوم الفاحشة. ووفقًا لتقرير المخاطر العالمية 2026، فإن تقلبات الرسوم الجمركية المدفوعة باعتبارات جيوسياسية ستشكّل مصدر القلق الأول خلال عام 2026 وما بعده. ومن منظور الشركات متعددة الجنسيات، فإن النمو يتحقق في بيئة تتسم بالاستقرار وقابلية التنبؤ، وإلى حدٍّ ما بحرية السوق.

ومهما يكن، فإن التجارة ستستأنف مسارها. غير أن السؤال الجوهري يتمثل في: وفق أي قواعد يُسمح للتجارة الدولية بالاستمرار؟ هل ستكون وفق آليات السوق الحرة أم بتدخل الدول؟ هل ستقودها الشركات أم الحكومات؟ وهل ستستند إلى حسابات اقتصادية بحتة أم إلى دوافع جيوسياسية؟ إن الجدل الدائر حول الرسوم الجمركية الأمريكية يشير إلى أن التجارة العالمية أصبحت متأثرة بالاصطفاف السياسي مع القوى العظمى (الولايات المتحدة في هذه الحالة) أو مع الدول التي تمتلك قدرًا كبيرًا من السيطرة.

تأمين الذكاء الاصطناعي

برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم الركائز في المنتدى الاقتصادي العالمي 2026. إن النقاش حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل ليس جديدًا؛ فقد أشار المنتدى الاقتصادي العالمي 2025 إلى اتساع الفجوة بين من يُحسنون توظيفه ومن يُسيئون استخدامه. كما حذّر صندوق النقد الدولي من أن ما يصل إلى 40% من الوظائف العالمية قد تتأثر بالذكاء الاصطناعي، وأن عدم المساواة لا يقتصر على الموارد البشرية فحسب، بل يمتد إلى المؤسسات والشركات. وعلى الرغم من الاتجاهات العالمية، فإن عددًا من الشركات لم يتمكن بعد من توسيع نطاق توظيف الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال في عملياتها، مما أوجد مزايا هيكلية للمتبنين الفعّالين مقارنةً بالمتبنين المتأخرين.

ومن منظور أمني، لا يزال الذكاء الاصطناعي يخلق مخاطر تتعلق بتقويض المساءلة، والأصالة، والثقة بين الشركات والمستخدمين النهائيين. ففي عام 2025، اضطرت شركة دي لويت استراليا ( Deloitte Australia) إلى ردّ جزء من مستحقاتها إلى وزارة التوظيف والعلاقات في مكان العمل الأسترالية، بعد اكتشاف أن التقرير تضمّن أخطاء مولَّدة بالذكاء الاصطناعي. ويبقى السؤال قائمًا: حتى في غياب خطأ مثبت، كيف يمكن إضفاء صفة الأصالة إلى التقارير المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي؟

وبالنسبة لصانعي السياسات والباحثين في مجال الأمن في دول الخليج، لا تزال التحديات قائمة فيما يتعلق بتسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي في قطاعات الدفاع والاستخبارات والاقتصاد، وفي الوقت ذاته ترسيخ الحوكمة والاستخدام الأخلاقي لمنع إساءة توظيف التكنولوجيا. وتعمل دولة الإمارات العربية المتحدة بنشاط على دمج الذكاء الاصطناعي في معظم عملياتها، سعيًا لتحويل إدارتها العامة إلى نموذج عالمي رائد في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2031.

أما بالنسبة لصانعي السياسات والباحثين في مجال الأمن في دول جنوب شرق آسيا، فتتمثل التحديات في استمرار فجوة عدم المساواة بين من يعتمدون الذكاء الاصطناعي بكفاءة ومن يتأخرون في تبنيه. وفي جنوب شرق آسيا، لا تزال الدول ذات مؤشر التنمية البشرية المنخفض ضمن رابطة آسيان، ولا سيما كمبوديا ولاوس، تواجه تحديات تتعلق بإمكانية الوصول إلى الإنترنت، مما يقوّض رؤية آسيان لاقتصاد رقمي شامل.

هيكل متصدع أم هيكل في طور التحوّل؟

في الختام، تتمثل الرسالة المركزية للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في أن العالم لم يدخل بعد في أزمة غير قابلة للعكس. بل إنه يمرّ بمرحلة انتقال هيكلية تعظّم دور اعتبارات الأمن الصلب في نقاشات الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة العالمية. إن الاتجاهات التي نوقشت خلال المنتدى -الأحادية، واستخدام التجارة كسلاح، وتأمين الذكاء الاصطناعي - تقودنا إلى ضرورة بلورة استجابة جماعية من الحكومات، والمنظمات الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بهدف إنشاء فضاء اقتصادي مستدام يتيح للتجارة أن تزدهر.

وتعزز هذه الاتجاهات درسًا استراتيجيًا محوريًا مفاده أن الدول والمؤسسات لم يعد بإمكانها الاعتماد على استقرار النظام الدولي لتحقيق الازدهار. بل إن القدرة على التكيّف المستمر، وليس الاستقرار، أصبحت الركيزة الاستراتيجية الجديدة.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙