المشهد الغالب في الشرق الأوسط مع دخول عام 2026 ليس التحوّل، بقدر ما هو الاكتمال المؤجلل. فالصراعات في غزة، والعلاقات الإسرائيلية–الإيرانية، واليمن، وسوريا، ولبنان، والعراق لا تزال دون حل سياسي واضح، حتى في الأماكن التي خفَت فيها هدير السلاح. وصحيحٌ أن اتفاقيات وقف إطلاق النار، وخفض التصعيد، والتفاهمات الضمنية قد خفّفت من إراقة الدماء على المدى القريب، إلا أنها لم تُفضِ إلى بنى أمنية مستدامة أو مسارات سياسية موثوقة للمضيّ قدماً. والنتيجة هي نمطٌ متكرر من نوبات العنف المتعاقبة: انتفاضاتٌ متكررةٌ من المواجهة تُفسد فترات الهدوء الهش، فيما تبقى أطراف عدة في حالة تنافس منخفض الوتيرة، بلا تسويات سياسية نهائية تُغلق الملفات المفتوحة.
هذا الواقع يُنتج توازنًا هشًّا من الناحية البنيوية.فالعنف تم تأجيله وليس القضاء عليه، مما يعني أن العديد من الصراعات لا تزال عُرضةً للتدهور المفاجئ. لذا، يتسم الوضع الأمني في المنطقة بتصعيد كامن: فترات هدوء تتخللها احتمالية دائمة لتدهور سريع ناجم عن صدمات أو حوادث أو أزمات سياسية. ويظل الإرهاب والعنف غير المتكافئ من أبرز مؤشرات هذا الاضطراب. وتشير تقديرات محللين أمنيين إقليميين إلى أن عام 2026 سيشهد على الأرجح ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة العمليات الإرهابية عبر ساحات متعددة، حيث تستغل الجماعات المتطرفة فراغات الحوكمة وضعف الحواجز الأمنية لاستهداف الدولة والمدنيين على حد سواء.
في المقابل، لا يبدو أن أطرافًا كثيرة تسعى اليوم إلى حرب شاملة. سنوات الصراع أفرزت حالة من الإرهاق العام أكثر مما أفرزت من انتصارات، مما عزز نمطًا يُمارس فيه ضبط النفس تمليه الضرورة لا المصالحة. ومع ذلك، لا تزال العوامل البنيوية المحركة للصراع قائمة، مثل تفتت السلطة والركود الاقتصادي وانعدام الثقة المستشري بين الكتل المتنافسة، مما يعني أن التصعيدات المحلية قد تتطور إلى مواجهات أوسع نطاقًا إذا لم يتم احتواؤها بسرعة.
غزة: المتغير المحوري للتصعيد
من بين جميع الساحات التي لم تُحسم بعد، تظل غزة المؤشر الأكثر حساسية لاستقرار المنطقة في عام 2026. ويجمع المحللون عمومًا على أن التطورات هناك ستُشكّل البيئة الاستراتيجية الأوسع. فوقف إطلاق نار مستدام — حتى لو كان هشًا أو منقوصًا — قد يسهم في احتواء التوترات الإقليمية. في المقابل، فإن انهيار الوضع، سواءً كان نتيجة تجدد القتال أو فشل الحوكمة أو كارثة إنسانية، قد يُؤدي سريعًا إلى زج حزب الله والميليشيات الموالية لإيران وقوى خارجية في دائرة الصراع. وفي أواخر عام 2025، كشف الرئيس دونالد ترامب عن خطة سلام لغزة من 20 بندًا تهدف إلى إنهاء الحرب الطويلة، وتأمين وقف فوري لإطلاق النار، وإعادة الرهائن، وبدء انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، وإنشاء هيكل حكم تكنوقراطي انتقالي تحت إشراف "مجلس السلام" تقوده الولايات المتحدة. وقد تبنى مجلس الأمن الدولي قرارًا يُؤيد عناصر أساسية من الخطة، وأعربت عدة دول عربية عن دعمها، إلا أن التنفيذ ظل متعثرًا وجزئيًا، فيما بقيت تحديات بنيوية كبرى من دون معالجة حاسمة.
لا يكمن الخطر الأساسي في اندلاع حرب إقليمية متعمدة، بل في التصعيد الأفقي الناجم عن سوء التقدير. فـالضربات المحدودة، أو الردود الانتقامية، أو الهجمات الرمزية قد تتصاعد بسرعة إذا شعر القادة السياسيون بضرورة إعادة فرض الردع. كما أن العمليات الأمنية الإسرائيلية، التي تنفذ في ظل ضغوط سياسية متزايدة وانتهاكات متقطعة لوقف إطلاق النار، ساهمت أحيانًا في تصعيدات متقطعة، خاصة في المناطق الحدودية المكتظة بالسكان، مما يعقد الجهود المبذولة لترسيخ السلام الجزئي الذي أنجز في إطار خطة ترامب. ورغم أن هذه العمليات تُسوَّق على أنها تدابير دفاعية ضد تهديدات محددة، إلا أنها تتيح للأطراف المعرقلة أو الفاعلين المسلحين فرصة اختبار حدود ترتيبات وقف إطلاق النار، وتوضح مدى سرعة قدرة الحوادث الأمنية المحلية على إجهاد الهياكل الدبلوماسية. لذلك سيظل مستقبل غزة مؤشرًا رئيسيًا لمعرفة ما إذا كان عام 2026 سيتجه نحو الاحتواء أو المواجهة المتجددة. وعلاوة على ذلك، فإن الانقسام بين الفصائل الفلسطينية، وضعف الحوكمة المؤسسية في غزة، وغياب أفق سياسي موثوق لحل الدولتين، يخلق ظروفًا ملائمة لإعادة تفسير وقف إطلاق النار من قبل المسلحين على أنه مجرد هدنات مؤقتة وليس آليات دائمة لإدارة الصراع.وفي هذا السياق، حتى المبادرات الدبلوماسية حسنة النية يمكن أن تتجاوزها التحولات التكتيكية على الأرض، حيث من المرجح أن تؤدي انتهاكات وقف إطلاق النار، وليس الحملات العسكرية الكبرى، إلى إشعال ديناميكيات تصعيدية أوسع.
خيارات إيران الاستراتيجية ومنطق الضغط
لا تزال إيران محورًا أساسيًا في جميع سيناريوهات المخاطر المتوقعة لعام 2026 تقريبًا. فموقفها الإقليمي يتشكل من تفاعل معقّد بين الضغوط الخارجية، والاعتبارات الداخلية، والحسابات الاستراتيجية طويلة الأجل. ويشير المحللون إلى أن طهران تواجه موازنة دقيقة ومعقدة بين استيعاب الضغوط المتصاعدة والحفاظ على مساحة للدبلوماسية، أو الاعتماد على أشكال مدروسة من الردع الإقليمي لإظهار الحزم. وقد شهدت الأشهر الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالوضع الداخلي في إيران، حيث أدت الضغوط الاقتصادية، والمظاهرات التي تحدث بين الحين والآخر، والمخاوف العامة بشأن الأوضاع المعيشية إلى تصعيد النقاشات داخل دوائر القيادة حول أولويات الدولة وتخصيص الموارد. وبينما لا تشير هذه التطورات إلى اضطراب جذري في النظام، إلا أنها تُبرز العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر بشكل متزايد على عملية صنع القرارات الأمنية في إيران.
ومما يزيد الأمر تعقيدًا هو تضاؤل نافذة الحوار الدبلوماسي بشأن الملف النووي. وتشير سلسلة من التقييمات الدولية إلى أن طهران قد عدّلت موقفها النووي بطرق تهدف إلى الحفاظ على المرونة الاستراتيجية، حيث جرى ضبط مستويات التخصيب لتعزيز أوراق التفاوض بدلًا من الإشارة إلى تحول وشيك نحو القدرة على امتلاك أسلحة. وقد تزامن ذلك مع إشارات أكثر وضوحًا من واشنطن، حيث صرّحت إدارة ترامب بأن "جميع الخيارات لا تزال مطروحة" إذا واصلت إيران توسيع أنشطتها النووية أو برامجها للصواريخ الباليستية. كما أوضح مسؤولون أمريكيون أن الضغط المدروس، بما في ذلك احتمال العمل العسكري، لا يستهدف بالضرورة إشعال المواجهة، بل دفع طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات بشأن الملف النووي وبرنامج الصواريخ المتوسع. وقد أسهم هذا في خلق بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، داخل إيران وفي المنطقة ككل، حيث يُقيّم الفاعلون مصداقية هذه التهديدات وتداعياتها المحتملة.
وتحمل حالة عدم اليقين القيادي، والضغوط الاقتصادية، والتوترات المرتبطة بالملف النووي مخاطر متزايدة لسوء التقدير أو الحسابات الخاطئة، خاصة في فترات تصعيد الخطاب السياسي أو النشاط العسكري. فإذا خلص صانعو القرار في إسرائيل إلى أن إيران تنتقل من القدرة على الحد الأدنى إلى موقف نووي أكثر جرأة، فإن احتمال التحرك الإسرائيلي الاستباقي قد يرتفع، لا سيما إذا ظلت التوترات الإقليمية مرتفعة حتى منتصف 2026. وفي المقابل، كررت إيران الإشارة إلى رغبتها في تجنب المواجهة المباشرة، مع التركيز على الحفاظ على الردع عبر الرسائل الدبلوماسية والإشارات المحسوبة والشراكات الأمنية.
من المرجح أن يستمر التفاعل بين التطورات الداخلية، بما في ذلك المظاهرات، وإجراءات التكيّف الاقتصادي، والنقاشات حول إصلاحات الحوكمة، وبين سلوك إيران الإقليمي في تشكيل نهجها طوال عام 2026. وقد تدفع هذه الديناميكيات الداخلية طهران على إعطاء الأولوية للاستقرار الداخلي، مما يُسهم في تبني موقف خارجي أكثر حذرًا، وإن كانت فترات التوتر المتصاعد قد تدفعها إلى إشارات أكثر صرامة عبر قنوات إقليمية. ونتيجةً لذلك، من المتوقع أن يُركّز موقف إيران في عام 2026 علىردع مدروس ومضبوط لتجنب التصعيد مع حماية على المصالح الوطنية. غير أن ضيق هامش الخطأ الاستراتيجي في العلاقات بين إسرائيل وإيران يعني أن التصعيد غير المقصود يظل احتمالًا قائمًا، لا سيما إذا تعرّضت قنوات التواصل الدبلوماسي لمزيد من الضغوط.
الأمن البحري ومخاطر التدويل
متغير آخر يستوجب متابعة دقيقة خلال عام 2026 هو الأمن البحري. فقد أظهرت الهجمات أو الاضطرابات في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، ومسارات الشحن في الخليج العربي مدى السرعة التي يمكن أن تتحول بها صراعات محلية إلى قضايا ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية عالمية. فحتى التدخل المحدود في حركة الملاحة التجارية قد يُثير ردود فعل عسكرية دولية ويُؤجّج التوترات الإقليمية.
لذا، تٌعد الممرات البحرية الضيقة نقاط ضعف دائمة. فالجهات الفاعلة من غير الدول العاملة في هذه المناطق قادرة على تدويل النزاعات بتكلفة منخفضة نسبيًا، مما يجعل الحوادث البحرية من أكثر المحفزات ترجيحًا للتصعيد غير المقصود. كما يشكّل إدخال أجهزة متفجرة بحرية ذاتية التشغيل معززة بالذكاء الاصطناعي و”ألغام ذكية” تطورًا تقنيًا لافتًا يحمل تداعيات عميقة على الأمن البحري. فهذه الأنظمة يصعب اكتشافها والتخفيف من آثارها، مما يُهدد برفع أقساط التأمين إلى مستويات باهظة، بما قد يُفضي عمليًا إلى إغلاق الممرات المائية الحيوية فعليًا دون إعلان حرب.
ومنذ أواخر عام 2023، شنّت قوات الحوثي أكثر من مئة هجوم على سفن تجارية وعسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن، ما أجبر شركات شحن كبرى على تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، متكبدةً خسائر اقتصادية فادحة. وحتى خلال فترات الهدوء النسبي، فإن الهجمات المعقدة متعددة الوسائط التي تشمل صواريخ وطائرات مسيّرة وقوارب مفخخة — بما في ذلك تقارير عن إغراق سفن شحن — تؤكد القدرة والإرادة السياسية على استئناف عمليات تعطيل واسعة النطاق للملاحة في أي وقت. وتُضيف هذه المعطيات بُعدًا مستمرًا من المخاطر الاستراتيجية لكل من التجارة العالمية والدبلوماسية البحرية، في ظل بيئة إقليمية مفتوحة على احتمالات التدويل.
الديناميكيات الداخلية وتأثيرها في الاستقرار الإقليمي
في عدد من دول المنطقة، لا تزال الضغوط الداخلية وديناميكيات التعافي بعد النزاعات تؤثر في البيئة الأمنية الأوسع، وإن كانت طبيعة هذه التطورات وحدّتها تختلف بدرجة ملحوظة من دولة إلى أخرى. ومن ثمّ، من الضروري تناول هذه السياقات بقدر من الدقة، وتجنب التعميمات الواسعة، إدراكًا بأن كل دولة تسلك مسارها الخاص نحو الاستقرار وترسيخ المؤسسات.
في لبنان، لا تزال الضغوط الاقتصادية المستمرة والوتيرة المدروسة للتعافي المؤسسي تُشكّل الأولويات الوطنية وصنع السياسات. وقد اتخذت الحكومة خطوات لتعزيز مؤسسات الدولة وتدعيم التنسيق مع القوات المسلحة اللبنانية، التي وسّعت وجودها في عدة مناطق كجزء من جهود أوسع لتعزيز الاستقرار. وتهدف هذه المبادرات، المدعومة من الشركاء الدوليين، إلى الحد تدريجيًا من وجود الأسلحة غير المرخّصة وتعزيز سلطة الدولة من خلال آليات قائمة على التوافق. وقد تحقق تقدم ملموس، وإن كان بوتيرة مدروسة، مما يعكس الحاجة إلى دعم داخلي واسع النطاق وتسلسل مدروس للخطوات.
أما في سوريا، لا تزال مرحلة ما بعد النزاعمتعددة الأبعاد، حيث تتقدم المناطق المختلفة بسرعات متفاوتة. إذ تستمر الهياكل الإدارية، وجهود إعادة الإعمار، وترتيبات الحوكمة في التطور، ومن المرجح أن يعتمد مستقبل البلاد في عام 2026 على استقرار الإدارة المحلية، وآليات الدعم الاجتماعي والاقتصادي، واستمرار الانخراط الدبلوماسي من قبل الأطراف الإقليمية الحريصة على صون الاستقرار.
وعند النظر إلى هذه التطورات مجتمعة، فإنها لا تعكس هشاشة منهجية بقدر ما تجسّد واقع المراحل الانتقالية طويلة الأمد بعد النزاعات. وسيعتمد نجاح هذه الأطر إلى حد كبير على مواصلة بناء المؤسسات، واستدامة الدعم الاقتصادي، وتعزيز الحوار الشامل — وهي عوامل قادرة على ترسيخ المرونة الوطنية ودعم الاستقرار الإقليمي الأوسع خلال عام 2026.
لماذا تبقى الحرب واسعة النطاق غير مرجحة؟
على الرغم من المخاطر المذكورة، تتفق معظم التحليلات في خلاصة أساسية مفادها أن اندلاع حرب تقليدية شاملة على مستوى المنطقة يبقى مستبعدًا في عام 2026. وتُفسر عدة عوامل استقرار هذا التقييم. فـالإرهاق الاستراتيجي بات واقعًا ملموسًا، والقيود الاقتصادية تزداد صرامة، فيما تظل دول الخليج حريصة على مسارات خفض التصعيد لحماية أجندات التنويع الاقتصادي. كما يواصل الفاعلون الخارجيون، ولا سيما الولايات المتحدة، لعب دور محوري في إدارة التصعيد، حتى وإن جاء انخراطهم انتقائيًا ومدفوعًا بالأزمات.
ممرّ ضيق بين الاحتواء والتصعيد
يدخل الشرق الأوسط عام 2026 وهو يتحرك عبر ممرّ ضيق بين الاحتواء والتصعيد. وسيبقى الاستقرار هشًا وديناميكيًا وخاضعًا لضغوط خارجية. فالمنطقة ليست على أعتاب سلام شامل، لكنها في الوقت ذاته ليست مُقدرة بالانزلاق إلى حرب منفلتة. وسيتمثل التحدي الأبرز خلال العام المقبل في منع الأزمات المحلية من التحول إلى مواجهات إقليمية أوسع، خاصة في بيئة تتسم فيها ديناميكيات الردع بقدر متزايد من الغموض، وتتقلص فيها هوامش الخطأ السياسي.
كما أن تزايد تطبيع استخدام القوة عبر الحدود، الذي غالبًا ما يُوصَف بعبارات مخففة مثل “حادث” أو “رد محدود”، يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين إلى هذا الممر الضيق. فبينما قد يُقصد من هذا التأطير احتواء التصعيد، فإنه قد يُخفي المخاطر الكامنة ويُعقّد الجهود الدبلوماسية الرامية إلى استقرار الأوضاع المتوترة. فعلى سبيل المثال، قُدِّمت العديد من المناوشات بين إيران وإسرائيل خلال عامي 2024–2025 رسميًا على أنها ردود انتقامية محدودة النطاق، رغم أن آثارها ومساراتها كانت تحمل في طياتها إمكانية إشعال مواجهة أوسع نطاقًا. وهذه الفجوة المتزايدة بين المصطلحات المستخدمة والواقع العملياتي تُفاقم احتمال سوء التقدير أو الحسابات الخاطئة في أي تحرك مستقبلي.




