في سياق الحرب الروسية–الأوكرانية، كثّفت موسكو بشكل ملحوظ إنتاج واستخدام الطائرات المُسيّرة العملياتية المُصمّمة على غرار منصة “شاهد” الإيرانية، وذلك من خلال عمليات “الهندسة العكسية”. وقد استخدمت طهران نفس نوع الطائرات المسيّرة في هجماتضد إسرائيل ودول الخليج بدءاً من 28 فبراير 2026، مستهدفة القواعد العسكرية الأمريكية والأصول الاقتصادية الرئيسية في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك قاعدة العديد الجوية في قطر، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
هذا التهديد المتصاعد دفع أوكرانيا إلى تطوير أنظمة دفاعية منخفضة التكلفة ومتعددة الأغراض، قادرة على اعتراض أعداد كبيرة من الطائرات المُسيّرة الروسية التي يتم إطلاقها على شكل موجات منسّقة. في ضوء ذلك، تستعرض هذه الدراسة الدروس العملياتية المستخلصة من التجربة الأوكرانية، وتقيّم كيفية تكييف هذه الرؤى لتعزيز قدرات دول الخليج في مواجهة هجمات الطائرات المُسيّرة الإيرانية.
صعوبة اعتراض الطائرات المُسيّرة من طراز «شاهد-136B» بالوسائل التقليدية
تشير التقارير الأوكرانية إلى أن الطائرة المُسيّرة الإيرانية «شاهد-136B» قد خضعت لتعديلهيكلية عززت من قدرتها على البقاء. ومن أبرز هذه التعديلات تدعيم حجرة المحرك بدرعٍ واقٍ لتعزيز مقاومتها لنيران الرشاشات.
كما تم نقل خزانات الوقود، التي كانت تقع سابقًا داخل الأجنحة، إلى الهيكل المركزي للطائرة المُسيّرة. في الإصدارات السابقة، كانت رصاصة واحدة تصيب الجناح أو المحرك كافية لإسقاط الطائرة المُسيّرة. لكن بعد هذه التعديلات، أصبحت الطائرة المُسيّرة قادرة على تحمّل عدة إصابات في الأجنحة أو الهيكل مع الاستمرار في الطيران ومواصلة التقدم نحو هدفها المحدد.
وبناءً عليه، أصبح الاعتماد الحصري على نيران الرشاشات التقليدية أقل فاعلية بشكل متزايد في التصدي للجيل الأحدث من هذه الطائرات المُسيّرة.
أنظمة “القيادة والسيطرة” المتكاملة المدعومة بالذكاء الاصطناعي
مع ازدياد تطور الطائرات المُسيّرة، أصبحت الحاجة إلى حلول فعّالة لمكافحة الطائرات المُسيّرة أكثر إلحاحًا. في هذا السياق، يعتمد مئات المتعاملينمن الجهات التجارية والحكومية والعسكرية حول العالم على نظام “القيادة والسيطرة لمكافحة أنظمة الطائرات المُسيّرة (CUAS C2)” الذي تطوره شركة “ديدرون” لحماية أنفسهم من التهديد المتزايد والمستمر الذي تشكّله الطائرات المُسيّرة.
يستفيد نظام«ديدرون» من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة (ML) لإجراء عمليات فحص وتحقق مستمرة وذاتية للطائرات المُسيّرة، بما يضمن تنبيه المشغّلين فقط إلى الأهداف عالية الخطورة، المعروفة باسم «p-UAVs».
علاوة على ذلك، يوفّر النظام قدرة شاملة على كشف وتتبع وتحديد وتحليل والتخفيف من التهديدات المرتبطة بالطائرات المُسيّرة. يمكن للنظام أن يعمل في البيئات الميدانية، أو في الأجواء، أو عبر بنية تحتية قائمة على الحوسبة السحابية، مما يوفّر للمتعاملين بنية مرنة ومتكاملة لمواجهة التهديد المتنامي للطائرات المُسيّرة.
يقوم نظام «ديدرون» بجمع المعلومات من عدة مستشعرات، وتحليل البيانات، واتخاذ الاستجابة المناسبة. يتكامل برنامج النظام مع مجموعة واسعة من تقنيات الكشف، مما يجعله غير معتمد على نوع محدد من المستشعرات. تمثّل منصة «DedroneTracker.AI» حلاً للقيادة والسيطرة لمكافحة أنظمة الطائرات المُسيّرة (CUAS C2) مدفوعًا بتقنيات تعلّم الآلة، ويعتمد على دمج بيانات متعددة المستشعرات لتقديم معلومات استخبارية فورية رائدة حول أكثر من 200 نوع مختلف من الطائرات المُسيّرة.
يرجع النجاح المتزايد لأوكرانيا في كشف الطائرات المُسيّرة الإيرانية من طراز «شاهد» إلى حدٍ كبير إلى الجمع بين تغطية واسعة النطاق بمستشعرات متعددة الأطياف، وتكتيكات وتقنيات فعّالة. أما فيما يتعلق بالمعدات، فقد نشرت القوات الأوكرانية مزيجًا من أنظمة الدفاع الجوي المتنقلة المضادة للطائرات المسيّرة، والدفاع الجوي قصير المدى المدمج مع الحرب الإلكترونية، والمدافع المضادة للطائرات مثل "ZU-23-2" و"Gepard" الألمانية الصنع، وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف (MANPADS) مثل "Stinger" و"Igla"، بالإضافة إلى الصواريخ الموجهة بالليزر ذات التكلفة المنخفضة مثل "نظام الأسلحة الدقيقة المتقدمة (APKWS)" الذي زودته الولايات المتحدة.
تقنيات التشويش الإلكتروني
تهدف تقنيات الحرب الإلكترونية، وخاصة “التشويش” و“التضليل”، إلى تحييد التهديد الذي تشكّله الطائرات المُسيّرة. الطائرة المُسيّرة التي تفقد الاتصال بمشغّلها نتيجة التشويش، وتفقد في الوقت نفسه قدرة الملاحة وتحديد الموقع، ستتحطم أو ستتجول بشكل عشوائي إلى أن تنفد بطاريتها.
ومع ذلك، فإن التطور السريع لتقنيات التشويشوالتضليل كوسائل فعّالة لمكافحة الطائرات المُسيّرة دفع أوكرانيا إلى تطوير نظام ملاحة بصري مدعوم بالشبكات العصبية. يتيح هذا النظام للطائرات المُسيّرة مواصلة العمل حتى عند تعطيل جميع روابط الاتصال اللاسلكي والملاحة عبر الأقمار الصناعية نتيجة التشويش.
بدأ اختبار هذا النظام في ديسمبر 2025، وذلك في إطار تحول أوسع نحو الطائرات المُسيّرة “الذاتية التشغيل” القادرة على مقاومة تأثيرات الحرب الإلكترونية. ومع نشر عشرات الآلاف من أجهزة التشويش على طول خطوط المواجهة، أصبحت هذه الأنظمة ضرورية لمواجهة الطائرات المُسيّرة التي تستهدف ليس فقط الجنود، بل أيضًا المركبات المدرعة، والطائرات المُسيّرة الأخرى، والبنية التحتية الصناعية.
استراتيجية “الطائرة المُسيّرة ضد الطائرة المُسيّرة” كحل منخفض التكلفة
وفقًا للقوات الجوية الأوكرانية، يتم الآن اعتراض واحدة من كل ثلاث طائرات مُسيّرة روسية بواسطة طائرات مُسيّرة اعتراضية، بدلًا من الصواريخ أو المدافع المضادة للطائرات التقليدية. وقد أثبتت هذه الطائرات المُسيّرة فاعلية خاصة في العاصمة كييف، حيث أعلنتالقيـادة الجوية الأوكرانية في 3 مارس 2026 أن أكثر من 70% من عمليات اعتراض طائرات «شاهد» خلال فبراير 2026 قد نُفذت بواسطة طائرات مُسيّرة اعتراضية.
تكمن الأهمية في المنطق الاقتصادي الكامن وراء هذا التحول. تتجاوز تكلفةصاروخ «باتريوت» 3 ملايين دولار، في حين تزيدت كلفة صاروخ «ناسامس» (نظام الصواريخ الوطني المتقدم أرض–جو) عن مليون دولار. في المقابل، لا تتجاوز تكلفةالطائرة المُسيّرة الاعتراضية الأوكرانية ما بين 3,000 و5,000 دولار، مقارنة بنحو 35,000 دولار لتصنيعطائرة «شاهد» المُسيّرة.
وبمعدل نجاح يتجاوز 60%، بدأت هذه الطائرات المُسيّرة الاعتراضية في إعادة تشكيل ديناميكيات تبادل التكلفة ضمن منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية.
تزامن تطويرها مع تصاعد الهجمات الروسية باستخدام الطائرات المُسيّرة الإيرانية من طراز «شاهد» ابتداءً من عام 2025، مما دفع كييف إلى توسيع الإنتاج بشكل كبير. أفادتالسلطات الأوكرانية بإنتاج 100,000 طائرة مُسيّرة اعتراضية في عام 2025، ما رفع القدرة الإنتاجية بمقدار ثمانية أضعاف، مع تزويد الوحدات في الخطوط الأمامية بأكثر من 1,500 طائرة يوميًا خلال فترات معينة.
في فبراير، نفّذت هذه الطائرات المُسيّرة حوالي 6,300 مهمة اعتراض، وأسقطت أكثر من 1,500 طائرة مُسيّرة روسية، ما جعلها أولوية قصوى في عمليات التوريد ضمن نظام المشتريات الدفاعية في أوكرانيا.
نقل التجربة الأوكرانية وأمن الخليج
النتائج الصادرة عن وزارات الدفاع في دول الخليج تشير إلى أن إيران تعتمد على الطائرات المُسيّرة بشكل أكبر من اعتمادها على الصواريخ الباليستية في الهجماتالتي تستهدف دول الخليج. بلغ العدد التقديري للطائرات المُسيّرة التي أُطلقتباتجاه دول الخليج 1,493 طائرة، مقارنة بـ 551 صاروخًا، وذلك استنادًا إلى إحصاءات مستخلصة من البيانات الرسمية الصادرة عن وزارات الدفاع في قطر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والكويت، والبحرين، خلال الفترة الممتدة من صباح 28 فبراير 2026 وحتى بعد ظهر 4 مارس 2026.
تعتمد الهجمات باستخدام طائرات «شاهد» المُسيّرة بشكل أساسي على تكتيك “هجوم الأسراب”، حيث يتم إطلاق عشرات الطائرات المُسيّرة على شكل موجات متزامنة بهدف إرباك أنظمة الدفاع الجوي وإجبارها على استخدام صواريخ اعتراضية مرتفعة التكلفة، مما يؤدي تدريجيًا إلى استنزاف القدرات الدفاعية، ولا سيما في دول الخليج التي تواجه هذه التهديدات بتكاليف مالية كبيرة.
في سياق المواجهة الإيرانية المستمرة، صرّحالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم الخميس، 5 مارس 2026، بأن بلاده تلقت طلبًا من واشنطن للمساعدة في التعامل مع الطائرات المُسيّرة الإيرانية من طراز «شاهد» في الشرق الأوسط. كما أعلنزيلينسكي أن أوكرانيا ستقوم بإيفاد خبراء متخصصين في مكافحة الطائرات المُسيّرة إلى دول في الشرق الأوسط، بناءً على طلب الولايات المتحدة.
تُظهر التجربة الأوكرانية أن مواجهة التهديد المتنامي للطائرات المُسيّرة، ولا سيما النماذج الإيرانية، تتطلب من دول الخليج تطوير أنظمة إنذار مبكر وتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية. كما تؤكد هذه التجربة أهمية اعتماد حلول دفاعية منخفضة التكلفة تجمع بين الطائرات المُسيّرة الاعتراضية، والتشويش الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، مما يقلل من الاعتماد على الصواريخ الاعتراضية باهظة التكلفة.




