ليست الأهمية الجيوسياسية المتجددة لجرينلاند اكتشافاً مفاجئاً، بل هي نتاج تغير سريع في بيئة القطب الشمالي حيث تتقاطع عوامل مثل الوصول إلى الموارد المتأثرة بالمناخ، والتنافس على المعادن الاستراتيجية، والمتطلبات الأمنية الصارمة. الجديد هو شِدّة وأسلوب المساعي الأمريكية الحالية في عهد الرئيس دونالد ترامب،الذي صوّر جرينلاند كـضرورة للأمن القومي وأعاد إحياء خطاب "الاستحواذ" بل وحتى الضم كأداة من أدوات للدبلوماسية والسياسة الخارجية. وفعلياً، أصبحت جرينلاند نقطة محورية لكيفية تعامل الولايات المتحدة مع منطقة قطبية تزداد دفئًا، في حين أنها في الوقت نفسه أكثر جاذبية اقتصاديًا وأكثر عرضة للخطر الاستراتيجي.
من الحدود النائية إلى المركز الاستراتيجي المحوري
لسنوات طويلة بعد الحرب الباردة، قامت الحوكمة في القطب الشمالي على افتراض أن البُعد الجغرافي، والغطاء الجليدي، وارتفاع تكاليف التشغيل من شأنها أن تحدّ من التسلح واستغلال الموارد الاقتصادية على نطاق واسع. إلا هذا الافتراض آخذ في التلاشي. إذ تؤدي درجات الحرارة المتزايدة إلى ترقق الغطاء الجليدي وتوسيع نطاق الوصول الموسمي إلى المياه الشمالية، بينما خفّضت التطورات في تقنيات اللوجستيات والمراقبة الحواجز أمام العمل في بيئات شديدة القسوة. ونتيجة لذلك، لم يعد القطب الشمالي يشكل مسألة مناخية أو بيئية بالدرجة الأولى، بل أصبح ساحة استراتيجية متزايدة الأهمية يتعين على المخططين الأمنيين مراعاة الوصول إليها، والتواجد فيها، وفرض القيود على الآخرين (إعاقة وصولهم).
يضع موقع جرينلاند، الممتد على شمال المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي، عند ملتقى الفضاءات الأمنية لأمريكا الشمالية وأوروبا.
وقد ركّز خطاب ترامب العلني على هذه الجغرافيا تحديدًا، مصورًا جرينلاند على أنها "حارس" مداخل القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي إلى أمريكا الشمالية، وربط مرارًا وتكرارًا سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة بمنع النفوذ الروسي والصيني في أقصى الشمال. يكتسب هذا التأطير أهمية بالغة لأنه يحول جرينلاند من أصل استراتيجي يُدار من خلال ترتيبات تحالفية إلى حالة اختبار لمدى استعداد واشنطن للذهاب بعيدًا، سياسيًا وخطابيًا، داخل فضاء الحلفاء.
نهج ترامب ومنطق الاهتمام الأمريكي المتجدد
طرحت إدارة ترامب في خطابها حول جرينلاند عدة خيارات صريحة لكسب النفوذ أو السيطرة على الجزيرة. ومن بين هذه الخيارات، تناول ترامب علناً فكرة شراء جرينلاند من الدنمارك، مع تقديم مدفوعات مباشرة لسكانها، وإذا رُفضت الفكرة، لم يستبعد اللجوء إلى أساليب أكثر قسرًا، بما في ذلك القوة العسكرية. ويُظهر تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة ستسعى للسيطرة "سواء أحبّوا ذلك أم لا" خروجًا صارخًا عن الخطاب الدبلوماسي التقليدي، مما أثار قلق الحلفاء.
علاوة على ذلك، أيّد بعض صانعي السياسات الأمريكيين الموالين لترامب متقرحات تشريعية تهدف إلى إضفاء الشرعية على استحواذ الولايات المتحدة على جرينلاند أو ضمها، مما يُبرز كيف انتقلت سرديات ضرورة الأمن القومي إلى الفضاءات السياسية الرسمية. ومع ذلك، واجهت هذه المقترحات والتصريحات العلنية ردود فعل دبلوماسية فورية من السلطات في الدنمارك وجرينلاند، اللتين تُشددان على استقلال جرينلاند وحكمها الذاتي وترفضان أي نقل للسيادة.
تعكس هذه الحادثة أيضاً اهتماماً أوسع في السياسة الخارجية الأمريكية بمفهوم "المنع الاستراتيجي" في المناطق المتنازع عليها، أي منع المنافسين من ترسيخ وجودهم في المواقع ذات الأهمية للمراقبة والسيطرة البحرية وسلاسل الإمداد. وفي سياق القطب الشمالي، يترجم هذا إلى تشديد الرقابة على تمويل البنية التحتية، والوصول إلى الموانئ، والوجود العلمي، والعلاقات التجارية طويلة الأمد، وهي مجالات يمكن فيها بناء النفوذ دون عسكرة صريحة.
المعادن الحيوية والنفوذ الاستراتيجي
أصبحت الإمكانيات المعدنية لجرينلاند، ولا سيما العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية المرتبطة بها، عنصرًا أساسيًا في ملفها الاستراتيجي. فهذه المواد ضرورية للأنظمة العسكرية المتقدمة، وتقنيات الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية المتطورة، وتتسم سلاسل توريدها بالتركيز الشديد. وفي هذا السياق، غالبًا ما تُصوَّر جرينلاند على أنها مصدر محتمل لتنويع مصادر وصول الدول الغربية إلى المعادن الحيوية.
لا تكمن القيمة الاستراتيجية لمعادن جرينلاند في استخراجها الفوري بقدر ما تكمن في النفوذ الذي تُتيحه. ولا يزال التعدين في القطب الشمالي مكلفًا ويتطلب مهارات تقنية عالية، كما أن القدرة على المعالجة لا تزال تشكل عائقًا رئيسيًا. ومع ذلك، فإن الجدوى المعدنية المحتملة تبرر الاستثمار الخارجي، وتطوير البنية التحتية، والمشاركة السياسية. ومن الممكن أن تخدم الموانئ والمطارات والطرق وأنظمة الطاقة والاتصال الرقمي، التي بُنيت لدعم الاستخراج، أن تخدم في الوقت نفسه أغراضًا أمنية، مما يُرسخ وجودًا استراتيجيًا طويل الأمد تحت مظلة التنمية الاقتصادية. وقد أكدت التغطية الإعلامية الأخيرة هذا الاقتصاد السياسي: حيث يتم تصوير المعادن الحيوية بشكل روتيني على أنها "ضرورية" للتحول الأخضر، حتى عندما يجادل المعارضون بأن السرد والخطاب المتعلق بالمعادن يمكن أن يعمل أيضًا كستار من الدخان للأهداف الجيوسياسية والنفوذ التجاري.
أمن الفضاء الجوي والفضائي وجغرافيا الردع
تتجلى الأهمية الأمنية الفورية لجرينلاند فوق أرضها نفسها. إذ تِستضيف الجزيرة بنية تحتية رئيسية تدعم الإنذار المبكر للصواريخ والمراقبة الفضائية ومهام الدفاع الجوي والفضائي الأوسع، وهي أساس للأمن عبر الأطلسي. وفي عصر تتجدّد فيه المخاوف بشأن الصواريخ الاستراتيجية وأنظمة الإطلاق الناشئة والتنافس في الفضاء، استعادت قدرات الإنذار المبكر والرصد والتتبع أهميتها المحورية.
وهنا تتصادم حجة ترامب حول «السيطرة» مع الواقع التشغيلي: فالولايات المتحدة تحقق بالفعل فوائد أمنية كبيرة من جرينلاند عبر ترتيبات دفاعية طويلة الأمد، مما يعني أن الربح الإضافي من تعطيل السيادة سيكون محدوداً مقارنة بالتكاليف السياسية أو تلك المرتبطة بالتحالف التي قد تنجم عن ذلك. وبناءً عليه، فإن الأجندة الأمنيّة العملية ترتكز أقل على الملكية، وأكثر على تطوير القدرات وتعزيز الوعي بالمجال وضمان بقاء البنية التحتية الاستراتيجية مرنة في بيئة ذات تهديدات أعلى.
النظم الخاصة وحساسيات السيادة ومشكلة الغموض
يحتوي القطب الشمالي على مجموعة من ترتيبات الحوكمة والعلاقات الإقليمية التي كان من الأسهل الحفاظ عليها عندما كانت المنطقة أقل وصولاً وأقل تنافساً. ومع تصاعد المنافسة، يمكن أن تصبح النظم غير التقليدية - سواء أكانت تتعلق بحقوق معاهدة فريدة أو تسويات الحكم الذاتي أو روابط سيادية معقدة - نقاط احتكاك. والدروس المستفادة من النقاشات حول حوكمة القطب الشمالي لا تشير إلى وجوب التخلي عن هذه الترتيبات الخاصة، بل إلى أنها تصبح أكثر عرضة للمخاطر عندما تقوم الجهات الفاعلة الخارجية بتأطيرها كفرص أو منافذ.
يشكّل حكم جرينلاند الذاتي ضمن مملكة الدنمارك جوهر هذه الهشاشة. فقد أدى موقف ترامب إلى تحويل النقاشات الدستورية والاقتصادية في جرينلاند إلى مسألة أمنية، إذ يُفسَّر أي حديث عن الاستثمار أو تراخيص التعدين أو تطوير البنية التحتية الآن من منظور الضغوط الخارجية والانحياز الاستراتيجي. ونتيجة لذلك، تصبح قضايا الحوكمة المحلية غير قابلة للفصل عن السياسة التحالفية.
تغيُّر المناخ والوصول والقيود
يسرّع تغير المناخ جميع الديناميكيات الأمنية الأخرى في القطب الشمالي، فالتراجع في غطاء الجليد يوسع الوصول الفعلي إلى الموارد والممرات البحرية، لكنه يزيد في الوقت نفسه المخاطر البيئية والحساسية السياسية. كما تواجه البنية التحتية المبنية على التربة المتجمدة تحديات استقرار طويلة الأجل، فيما يمكن أن تترتب على الحوادث أو الأضرار البيئية عواقب سياسية كبيرة في النظم البيئية الهشّة.
ويجعل هذا التوازن الاستراتيجي معقداً. فمن جهة، يزيد تغيّر المناخ من قيمة الجاهزية والاستمرار في التواجد في المنطقة. ومن جهة أخرى، يرتفع ثمن السمعة المرتبط بالاستغلال المتصور للموارد. وكما تبرز التغطية الإعلامية الأوروبية الحديثة، فإن الجدل حول المعادن في جرينلاند يُخاض بشكل متزامن على جبهتين: وعد المعادن الاستراتيجية لدعم الاقتصاد منخفض الكربون، والخوف من أن التبريرات «الخضراء» قد تشرّع سلوكاً جيوسياسياً استغلالياً أو قسرياً.
المنافسة بين القوى الكبرى وسياسة التحالفات
يُعدّ القطب الشمالي من المناطق القليلة التي تعمل فيها عدة قوى كبرى على مقربة شديدة، حيث يتقاطع التنافس الأمني مباشرة مع التغيُّرات البيئية. فروسيا تعتبر القطب الشمالي حيوياً للردع والدفاع الإقليمي، بينما تسعى الصين لتحقيق نفوذ طويل الأمد من خلال العلوم والتجارة وسرديات الربط الشبكي. وفي هذا السياق، يصبح التماسك الغربي متغيراً استراتيجياً، لا مجرد مُعطى ثابت في الخلفية.
ولذلك أثارت استراتيجية ترامب تجاه جرينلاند مخاوف غير معتادة لدى الحلفاء: فحتى في حال عدم حدوث تغيير رسمي في السيادة، فإن الخطاب القسري تجاه الدنمارك وجرينلاند يُهدّد إضعاف الثقة السياسية اللازمة لتنسيق استراتيجية القطب الشمالي، خصوصاً في الوقت الذي تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى تعاون الحلفاء لإدارة النفوذ الروسي وتقييد مسارات تأثير الصين. وتظهر هذه التوتّرات في الرسائل الصادرة عن السلطات الجرينلاندية والدنماركية التي تؤكِّد على الانسجام مع الناتو والاتحاد الأوروبي، مُشيرة إلى أن النزاع يُنظر إليه كقضية تحالفية وليس مجرد مسألة تفاوض ثنائي.
وضع القواعد في النظام الناشئ للقطب الشمالي
في النهاية، لا يتعلق الصراع حول جرينلاند بالملكية بقدر ما يتعلق بوضع القواعد. فالقوة في القطب الشمالي ستتراكم لدى من يشكّل الأطر التنظيمية، ويسيطر على تطوير البنية التحتية، ويُرسّخ الشراكات الأمنية على المدى الطويل. إذ أصبحت أنظمة الترخيص، والمعايير البيئية، وفحص الاستثمارات، وحوكمة البيانات أدوات للمنافسة الاستراتيجية، تحدد من يمكنه العمل وفي أي ظروف.
وقد أدّى تركيز إدارة ترامب المتجدد، سواء بقصد أو بدون قصد، إلى تسريع إضفاء الطابع الأمني على الحوكمة: إذ تُعامل الآن سياسات جرينلاند المعدنية، وقرارات الاستثمار الأجنبي، وخطط البنية التحتية كمسائل أمنية من الدرجة الأولى. ومن المُرجّح أن تستمر هذه الأمننة بعد انتهاء الجدل الحالي، لأنها تعكس تحوّل هيكلي: فالأقطاب الشمالية تصبح منطقة يكون فيها الاقتصاد والدفاع غير منفصلين بشكل متزايد.
وتعكس الأهمية المتزايدة لجرينلاند تحوّل القطب الشمالي من بُعد استراتيجي ثانوي إلى مِحور جيوسياسي رئيسي. فثرواتها المعدنية، وأهميتها في مجال الفضاء، وموقعها عند تقاطع الديناميكيات الأمنية للأطلسي الشمالي والقطب الشمالي تجعلها نقطة محورية للتنافس الناشئ. وقد أدّى نهج الرئيس ترامب إلى تكثيف هذا التحوّل وتسييسه من خلال تقديم جرينلاند على أنها أمر حتمي للأمن القومي وإعادة إدخال لغة الاستحواذ في علاقات الحلفاء، مما حوّل الجدل المألوف حول الوصول والاستثمار إلى اختبار حقيقي لمعايير السيادة وتماسك التحالفات.




