إخلاء أجهزة المساعدة في حالات الطوارئ: المعضلات والتوصيات العملياتية

تتمثل المهمة الأساسية لعمليات الإخلاء في حالات الطوارئ بشكل واضح ومباشر في نقل أكبر عدد ممكن من الأشخاص إلى مناطق آمنة خارج نطاق الخطر، وبأسرع وقت تسمح به الظروف. وتُعد السرعة وعدد الأشخاص الذين يتم إنقاذهم من أهم مؤشرات الأداء. فكل دقيقة إضافية يقضيها الأشخاص داخل منطقة الخطر تؤدي بشكل ملموس إلى زيادة مستوى المخاطر، ولذلك يتم تدريب فرق الاستجابة على إعطاء الأولوية لسرعة التنفيذ والإيقاع العملياتي فوق معظم الاعتبارات الأخرى. وبالنسبة لمعظم شاغلي المباني، فإن هذا الإطار العملياتي يظل مناسباً، إلا أنه بالنسبة «لأصحاب الهمم»، الذين يعتمد العديد منهم على الأجهزة المساعدة، فإنه يخلق تحدياً لا تعالجه عقائد وإجراءات الإخلاء التقليدية بالشكل الكافي، وهو تحدٍ يواجهه المستجيبون الأوائل غالباً للمرة الأولى أثناء وقوع حادث حقيقي.

ووفقاً لـ  منظمة الصحة العالمية، يعيش ما يقارب «16% من سكان العالم» مع إعاقة كبيرة، مما يعني أن أصحاب الهمم موجودون إحصائياً في كل مبنى قد تستجيب له فرق الطوارئ، وبالتالي فإن التخطيط لاحتياجاتهم يمثل مسؤولية مهنية أساسية. ومع تزايد عمليات الإخلاء المحدودة محلياً في مختلف أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي نتيجة الصراع الحالي، فإن هذا الموضوع يستحق البحث والدراسة.

الإطار القانوني

قبل تناول هذه المسألة من الناحية العملياتية، من المهم فهم البيئة القانونية التي تعمل ضمنها فرق الاستجابة في دول مجلس التعاون الخليجي. يكفل «القانون الاتحادي لدولة الإمارات رقم (29) لسنة 2006 بشأن حقوق أصحاب الهمم» الحق في السلامة وإمكانية الوصول، كما يفرض توفير الحماية المتساوية في حالات الطوارئ. وقد وسّع «قرار مجلس الوزراء رقم (43) لسنة 2021» نطاق تطبيق هذه المعايير لتشمل المرافق العامة والخاصة. كما أن تصديق دولة الإمارات على  «اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة» عام 2010 أدى إلى تفعيل  المادة (11) من الاتفاقية، والتي تفرض التزاماً واضحاً على الدول باتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان حماية وسلامة الأشخاص ذوي الإعاقة في حالات الخطر.

كما يتطلب  «إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015–2030»1، الذي تعد دول مجلس التعاون الخليجي من الدول الموقعة عليه، إدماج منهجيات شاملة للإعاقة ضمن الاستراتيجيات الوطنية للحد من مخاطر الكوارث، وهو ما يجعل توفير الحماية لـ «أصحاب الهمم» خلال حالات الطوارئ التزامًا قانونيًا واجب النفاذ.

الطرح والتوصيات التالية ليست خاصة بدولة معينة، بل صُممت بهدف تحفيز النقاش والتخطيط بشأن إخلاء «أصحاب الهمم» في مؤسسات الطوارئ في مختلف أنحاء المنطقة والعالم.

وعلى الرغم من أن الإعاقة قد تؤثر على إجراءات الإخلاء بعدة طرق، فإن هذا المقال سيركز بشكل حصري على موضوع «الأجهزة المساعدة» التي يعتمد عليها العديد من «أصحاب الهمم».

تعريف «الأجهزة المساعدة»

لفهم المعضلة، يحتاج المستجيب أولاً إلى فهم طبيعة الأجهزة التي يتعامل معها. تشمل «الأجهزة المساعدة» مجموعة واسعة من الفئات، ولكل فئة خصائص لوجستية مختلفة، وعواقب مختلفة في حال تركها خلفهم.

تُعد الكراسي المتحركة الكهربائية واليدوية من أكثر الفئات تحدياً من الناحية البدنية. يمكن أن يزن الكرسي المتحرك الكهربائي المصمم خصيصاً للمستخدم مئات الكيلوغرامات، وهو  جهاز طبي متخصص يتم ضبطه وفقاً لوضعية جسم الفرد، وتوزيع الضغط، وفي كثير من الحالات لدعم وضعية التنفس. وهو ليس جهازاً قابلاً للاستبدال بكرسي المستشفى التقليدي. وقد تمتد مدة استبداله إلى عدة أشهر، مع تكاليف تصل إلى عشرات الآلاف من الدراهم.

تُعد «أجهزة تركيز الأكسجين المحمولة» و«أجهزة التنفس الصناعي» أجهزة ضرورية للحفاظ على الحياة. فهي ثقيلة، وتحمل مخاطر عند التعامل معها في بيئات الحرائق، كما تضيف حجماً كبيراً أثناء الحركة عبر الدرج. وبالنسبة للشخص الذي يعتمد عليها، فهي ليست خياراً يمكن الاستغناء عنه.

تُعد «العصي البيضاء» و«الكلاب المرشدة» وسائل تحديد الاتجاه والتنقل للأشخاص المكفوفين وضعاف البصر. ومن دون أي منهما، يصبح تنقل الشخص بمفرده في بيئة إخلاء غير مألوفة وفوضوية أمراً مستحيلاً.

تعمل «أجهزة التواصل المعزز والبديل (AAC)» باعتبارها الصوت الوظيفي للأشخاص غير الناطقين أو الذين يعانون من إعاقات شديدة في النطق.

وتُعد هذه  الأنظمة شديدة الخصوصية، حيث يتم تطويرها على مدى أشهر، ويتم التحكم بها من خلال تقنيات تتراوح بين تتبع حركة العين والتحكم عبر المفاتيح المساعدة. وفقدان الجهاز في موقع الحادث لا يعني مجرد فقدان أداة مساعدة، بل يعني وصول الشخص إلى نقطة التجمع دون وسيلة للتواصل والتعبير عن الألم أو الإبلاغ عن المفقودين أو ضمان حصوله على الرعاية المناسبة.

تُعد «المشايات» و«العكازات» و«عكازات الساعد» و«الأطراف الصناعية» أصغر الفئات وأكثرها قابلية للنقل، إلا أنها الأكثر عرضة للترك بسبب استعجال الحركة عبر سلالم الإخلاء. وخلال استجابة إخلاء في موقع آخر بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لاحظ كاتب هذا المقال أفراداً يستخدمون المشايات تم إخلاؤهم بنجاح ودون إصابات، ولكن من دون أجهزتهم المساعدة، واضطروا للانتظار قرابة يومين في مأوى مؤقت قبل وصول مشاية بديلة. كانوا قادرين على الحركة بمفردهم عند نقطة الإنقاذ؛ لكنهم لم يكونوا قادرين على الحركة أو الاستقلالية خلال الـ 48 ساعة التالية. لقد تُركت المشاية في موقع الحادث. وكان نقلها سيستغرق ثوانٍ فقط. الفجوة بين ما كان ممكناً وما تم فعلياً هي بالضبط النوع من النتائج التي يسعى هذا المقال إلى منعها.

المعضلة

إن التحدي العملياتي حقيقي ولا ينبغي التقليل من شأنه؛ فإن تصميم الدرج، ووزن الجهاز، وتطور الحريق أو مستوى الخطر، وعدد العناصر المتاحة، كلها عوامل تفرض قيوداً واقعية. فالكرسي المتحرك الكهربائي الثقيل لا يمكن إنزاله عبر درج الطوارئ التقليدي دون معدات إخلاء متخصصة قد لا تكون متوفرة. كما أن أسطوانة الأكسجين تضيف وزناً وحجماً مما يبطئ الحركة بطريقة تصبح مؤثرة عندما تتدهور الظروف. الدافع الطبيعي إلى ترك الجهاز وإعطاء الأولوية لإنقاذ حياة الإنسان على المعدات ليس أمراً غير منطقي؛ فهو انعكاس مباشر لما يتلقاه المستجيبون من تدريب. وقد يكون ترك هذه الأجهزة خلفهم خياراً عملياً في بعض المواقف، إلا أن اتخاذ هذا القرار يستلزم تقييم كل حالة وفق ظروفها الخاصة.

لكن ما قد يغيب عن هذا التصور في كثير من الأحيان هو أن الجهاز والشخص لا يمكن فصلهما بصورة كاملة. ففصل مستخدم الكرسي المتحرك عن كرسيه المصمم خصيصاً لاحتياجاته قد يؤدي إلى حدوث إصابات ناتجة عن الضغط خلال فترة قصيرة عند استخدام سطح غير ملائم، كما أن بعض المستخدمين الذين يعتمدون على إعدادات خاصة في كراسيهم لدعم توسع جدار الصدر قد تتأثر لديهم كفاءة وظائف التنفس.

كما أن إزالة معدات الأكسجين عن شخص يعتمد عليها، من دون خطة واضحة للانتقال، تؤدي إلى خلق حالة طبية طارئة في موقع الإنقاذ. أما ترك «جهاز التواصل المعزز والبديل» خلفه، يحرم الشخص غير الناطق من القدرة على التواصل عند وصوله إلى منطقة التجمع. وفي جميع الحالات، فإن تكلفة القرار الميداني لا تختفي، بل تنتقل إلى المستشفى وخدمات التأهيل وأفراد الأسرة القائمين على الرعاية، وتتراكم هناك لأسابيع أو أشهر بعد إغلاق الحادث.

في «برج غرينفيل» عام 2017،  فارق الحياة 15 من أصل 37 مقيماً من ذوي الإعاقة كانوا موجودين تلك الليلة، أي بمعدل وفاة بلغ 41%، وهو معدل تجاوز بكثير المتوسط العام للمبنى. وفي «مركز التجارة العالمي» في 11 سبتمبر 2001، تم  إخلاء موظف مصاب بالشلل الرباعي من الطابق 69 بواسطة عشرة من زملائه الذين تناوبوا على استخدام كرسي إخلاء، دون وجود خطة رسمية أو معدات مجهزة مسبقاً. ارتجلوا لمدة تسعين دقيقة وتمكنوا من إخراجه، وهذه النتيجة تستحق الإعجاب والإشادة.

طرق وأساليب عملية

يقدم  «دليل التخطيط لإخلاء الطوارئ للأشخاص ذوي الإعاقة» الصادر عن «الجمعية الوطنية للحماية من الحرائق (NFPA)» إطاراً دولياً متقدماً لتخطيط عمليات الإخلاء التي تشمل الأجهزة المساعدة. وينبغي أن تتضمن خطط الإخلاء الفردية للطوارئ، والمحفوظة لدى إدارة المبنى، معلومات واضحة لكل شخص من أصحاب الهمم حول الأجهزة التي يجب أن ترافقه، والمسارات التي يمكنها استيعاب تلك الأجهزة، والمساعدين المكلفين بذلك. وعند وصول فرق الاستجابة إلى الموقع، يجب أن تكون هذه المعلومات متاحة أمامهم.

وعندما لا تتوفر هذه المعلومات، ينبغي التحقق أولاً وفي وقت مبكر من «مناطق المساعدة على الإنقاذ»، وطرح الأسئلة مباشرة على الشخص نفسه وليس على مقدم الرعاية الموجود بجانبه. وكما تؤكد  أطر «الإسعافات الأولية النفسية» بشكل مستمر، فإن «أصحاب الهمم» هم الخبراء الأوائل والأكثر معرفة بأجسادهم وأجهزتهم الخاصة. فالشخص الموجود أمامك يعرف أكثر من أي شخص آخر في موقع الحادث ما الذي يقدمه جهازه، وما الذي يمكنه تحمله في حال عدم وجوده.

الخاتمة

لا يهدف هذا المقال إلى وضع إطار للسياسات أو تقديم قائمة إجراءات محددة، بل يركز على نطاق أكثر تحديداً يتمثل في تسليط الضوء على معضلة يواجهها المستجيبون الأوائل غالباً للمرة الأولى في الميدان، دون إعداد مسبق، وفي أكثر الظروف صعوبة. ولن يكون من الممكن دائماً إخلاء «الجهاز المساعد» مع مستخدمه. فقيود مسارات الإخلاء، وتصاعد مستوى الخطر، وتوفر الموارد البشرية تفرض تحديات واقعية، كما أن أي مستوى من التخطيط لا يمكنه إزالة جميع القيود المحتملة.

إن التحول المطلوب هنا لا يتعلق بالإجراءات بقدر ما يتعلق بطريقة التفكير. فلا ينبغي استبعاد إمكانية نقل الجهاز بشكل تلقائي. فالميل إلى تركه بهدف الحفاظ على سرعة الاستجابة أمر مفهوم، إلا أن تبعات هذا القرار لا تنتهي بانتهاء الحادث، بل تنتقل إلى المراحل اللاحقة وتتراكم عبر أسابيع من الرعاية الطبية، وإعادة التأهيل، وفقدان الاستقلالية بعد انتهاء حالة الطوارئ.

إن نقل الجهاز، أو بذل كل جهد معقول قبل الوصول إلى قناعة باستحالة ذلك، من شأنه تخفيف العبء عن المنظومة الأوسع. ويجب إدراج هذا النوع من القرارات ضمن برامج التدريب العالمية لفرق الاستجابة، قبل أن تجد نفسها مضطرة لاتخاذها داخل مبنى مشتعل.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙