دون عتبة العمل العسكري: كيف تعيد الأدوات القانونية لمكافحة الإرهاب تشكيل الأمن بين الولايات المتحدة والمكسيك

يمثل قانون تصنيف عصابات المخدرات المكسيكية منظمات إرهابية أجنبية (FTO) في أوائل عام 2025 نقطة تحوّل مفصلية في العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والمكسيك. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء يشبه سياسات مكافحة الإرهاب، فإنه يُفهم بصورة أدق بوصفه دبلوماسية إكراهية - أي الاستخدام الاستراتيجي لقوانين الإرهاب الأمريكية الداخلية للضغط على دولة حليفة من أجل دفعها نحو إصلاح مؤسساتها. تشير النتائج الأولية إلى أهمية ملموسة، ومن أبرزها القبض على نيميسيو أوسيغويرا سيرفانتس والقضاء عليه، العملية الأخيرة التي استهدفت نيميسيو أوسيغويرا سيرفانتس، المعروف باسم "إل مينشو"، زعيم كارتل خاليسكو الجيل الجديد (CJNG) وأحد أقوى الشخصيات الإجرامية في نصف الكرة الأرضية الغربي. ويشير هذا النجاح، إلى جانب تسليم 92 عنصرًا من عناصر العصابات خلال العام الماضي - بمن فيهم أحد المطلوبين المدرجين على قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي لأخطر عشرة مطلوبين - إلى وجود زخم حقيقي، غير أنه يخفي في الوقت ذاته مخاطر أعمق. ولا يمكن لهذا النهج أن يحقق نتائج مستدامة إلا إذا ظل دون تجاوز عتبة التصعيد العسكري الأمريكي العلني. أما تجاوز هذه العتبة فقد يؤدي إلى تفكك سريع للتعاون الثنائي الذي مكّن من القضاء على "إل مينشو"، وربما إلى تحويل هذه التنظيمات الإجرامية من مؤسسات تسعى إلى الربح إلى جماعات مدفوعة بمظالم سياسية أوسع ونزعات قومية معادية للولايات المتحدة.

عقدان من اختراق المؤسسات

يعكس قانون التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) عقدين من الإحباط الأمريكي إزاء مشكلة الفساد المؤسسي في المكسيك. فعلى الرغم من توثيق اختراق العصابات للمؤسسات المحلية منذ فترة طويلة، فإن سيطرتها على قمة السلطة السياسية ظلت مستمرة عبر إدارات مختلفة التوجهات.

خلال فترة حكم حزب العمل الوطني (PAN 2000-2012)، بلغ التعاون الثنائي الوثيق ذروته في الحرب على المخدرات بدعم من الولايات المتحدة، حيث كان جينارو غارسيا لونا المهندس المعتمد للاستراتيجية الأمنية المكسيكية. وقد جسدت إدانته عام 2023 بتهمة تلقي رشاوي من كارتل سينالوا جوهر المعضلة - إذ تبيّن أن حتى المسؤولين الذين يحظون بالثقة ليسوا بمنأى عن الفساد.

ومع عودة الحزب الثوري المؤسسي (PRI) إلى السلطة (2012-2018)، ظهرت وعود بالتغيير، إلا أن مستوى التعاون تراجع. بدا اعتقال وزير الدفاع المكسيكي السابق في لوس أنجلوس عام 2020- وهو مسؤول من عهد الحزب الثوري المؤسسي (PRI) - في البداية وكأنه نقطة تحوّل، إذ كشف عن نقاط ضعف مؤسسية أعمق وصلت إلى أعلى مستويات الحكومة. غير أن القضية سرعان ما تكشّفت على نحوٍ لافت ؛ أسقط مكتب التحقيقات الفيدرالي التهم في نهاية المطاف، ونُقل الوزير إلى المكسيك حيث قامت حكومة مورينا بقيادة لوبيز أوبرادور - الخصم السياسي للحزب الثوري المؤسسي- بتبرئته بعد أن وجّه اتهامات لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA) بتلفيق الأدلة ضده. وقد عكس قيام إدارة يسارية تقوم على مكافحة الفساد بحماية مسؤول من حزب منافس إدراكًا بأن احتواء نطاق الملاحقات القضائية الأمريكية يمثل أولوية تتجاوز الاختلافات الأيديولوجية.

 وعلى الرغم من صعود حركة مورينا بقيادة لوبيز أوبرادور (2018-2024)، على أساس، خطاب مكافحة الفساد، لم ينجح في منع الاختراق المؤسسي، مما أدى إلى مزيد من التوتر في التعاون الأمني مما أضعف التعاون الثنائي. وقد أظهر هذا التسلسل - من الاعتقال الأمريكي البارز إلى التبرئة المكسيكية الهادئة - أن نفوذ العصابات يتجاوز الانقسامات الحزبية والفترات الرئاسية. وبالنسبة لصنّاع القرار في الولايات المتحدة، كان الاستنتاج واضحًا:

إن الترسخ البنيوي للعصابات داخل الدولة يتجاوز قدرة الدبلوماسية التقليدية على المعالجة.

تمثلت استجابة ترامب في التصعيد القانوني بدلًا من التصعيد العسكري، من خلال تحويل تشريعات مكافحة الإرهاب الأمريكية إلى أدوات ضغط ثنائي. ويمثل ذلك تطورًا في الدبلوماسية الإكراهية عبر توظيف السلطات القانونية الداخلية - مثل: التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO)، العقوبات المالية لوزارة الخزانة، إلغاء التأشيرات، توسيع نطاق الملاحقات القضائية، لتحقيق أهداف السياسة الخارجية دون تدخل عسكري. وبما أن هذه الإجراءات تعمل ضمن الأطر القانونية الأمريكية، فإن المكسيك لا تستطيع الطعن فيها دوليًا، لكنها تفرض تكاليف على عدم التعاون، مما يشجع الإصلاح.

النتائج الأولية للضغط القانوني

تشير النتائج الأولية إلى أن هذا النهج يحقق فوائد ملموسة. فقد فرضت عقوبات وزارة الخزانة على الدائرة المقربة من الرئيس السابق لوبيز أوبرادور تكاليف امتثال فورية.

  كما أثّر إلغاء التأشيرات - الذي طال نحو 50 سياسيًا، معظمهم من حركة مورينا - في النخب السياسية على المستوى الشخصي. كما سمح توسيع السلطات القضائية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة عبر الحدود.

والأهم من ذلك، أسفر تجدد التعاون الاستخباري عن نتائج ملموسة، منها: اعتقال ريان ويدينغ المدرج على قائمة أخطر المطلوبين لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي ونقل90 مجرمًا عالي الخطورة إلى الولايات المتحدة وتدمير 1887 مختبرًا لإنتاج المخدرات خلال رئاسة شينباوم أي ما يعادل 86٪ من إجمالي إنجازات سلفها خلال ست سنوات، وذلك خلال 15 شهرًا فقط.

 كما انخفضت حالات العبور غير القانوني للحدود إلى أدنى مستوياتها خلال خمسين عامًا، حيث سُجل أقل من 9000 حالة شهريًا خلال الأشهر الثمانية الأولى من ولاية ترامب.

وتُظهر هذه التطورات أن الضغط الإكراهي عبر القنوات القانونية الداخلية يمكن أن يولّد تعاونًا فعليًا، مع السماح للمكسيك بتقديم الإجراءات على أنها قرارات سيادية وليست استسلامًا. يُعد القضاء على "إل مينشو" في الوقت الراهن أوضح تجسيد لهذه الديناميكية. فما بدأ بوصفه انتصارًا تكتيكيًا تحقق بفضل التعاون الاستخباري بين الولايات المتحدة والمكسيك بات يحمل اليوم إمكانات استراتيجية؛ فإذا واصلت المكسيك تفكيك شبكات الحماية التي كانت تؤمّن الحماية لأوسيغويرا سيرفانتس - ومنعت إعادة تشكيلها تحت قيادات جديدة - فقد تمثل هذه اللحظة بداية اضطراب بنيوي حقيقي في شبكات الحوكمة الإجرامية التي ترسخت منذ زمن طويل داخل الدولة المكسيكية.

العتبة الحرجة

تعتمد الاستراتيجية على الحفاظ على نهج "المشرط بدل المطرقة". فإن قانون التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية يعمل كأداة دقيقة تعمل عبر قنوات قانونية مشروعة بدلًا من القوة العسكرية. وهذا يسمح للرئيسة شينباوم بالادعاء بأن التعاون طوعي، ويحافظ على شرعية وزير الأمن غارسيا هارفوش-الذي تبنّى نهجًا أكثر صرامة تجاه المنظمات الإجرامية وحاز ثقة الولايات المتحدة -ويمنع أحزاب المعارضة من استغلال انتهاكات السيادة سياسيًا.

غير أن هذا التوازن هش. أما إذا أقدمت الولايات المتحدة على تنفيذ عمليات عسكرية أحادية داخل الأراضي المكسيكية، فإن الإطار القائم بأكمله سيتداعى. وسيكون رد الفعل السياسي سريعًا، وسيتوقف التعاون، وستنهار الترتيبات القائمة. وقد جسدت تصريحات ترامب في يناير 2026 بشأن “"ضرب أهداف برية فيما يتعلق بالعصابات"" نوع الخطاب الذي قد يؤدي إلى انهيار هذا التوازن.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن واشنطن تدرك هذه الحدود؛ فقد أشاد الرئيس ترامب علنًا بالرئيسة شينباوم، ولم ينفذ تهديداته بفرض رسوم جمركية أو شن ضربات عسكرية ضد العصابات.، إذ يشير ذلك إلى أن التنازلات الأمنية التي قدمتها المكسيك تُعد حاليًا كافية لتبرير ضبط النفس. غير أن هذا التقدير يظل قابلًا للتغيير.

فخ التحوّل

 والأخطر من ذلك أن التصعيد العسكري ينطوي على خطر تغيير طبيعة الخصم نفسه - وهنا يكمن التناقض الجوهري.

إن قانون التصنيف كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) فعّال تحديدًا لأن لا تنطبق على عصابات المخدرات المكسيكية السمات التقليدية للإرهاب: هذه الجماعات تفتقر إلى مشروع أيديولوجي متماسك، ولا تسعى إلى إحداث تحول سياسي. يتسم عنف هذه الجماعات بطابع وظيفي وتجاري، ويستهدف حماية مواردها المالية ونطاق سيطرتها الإقليمية بدلاً من الترويج لعقيدة؛ إذ تنخرط العصابات في السياسة بهدف تأمين مجال عملها، لا لتحقيق أهداف أيديولوجية. وبهذا المعنى، يمثل التصنيف إعادة تأطير قانونية استراتيجية تستخدم أدوات مكافحة الإرهاب ضد جهات ذات أهداف اقتصادية في جوهرها. غير أن التصعيد العسكري قد يؤدي إلى انهيار هذا التمييز. فإذا قوضت الإجراءات الأمريكية شرعية المؤسسات المكسيكية أو أثارت رد فعل على المستوى الوطني، فقد تجد عصابات مثل سينالوا وجيل جديد خاليسكو نفسها مدفوعة إلى تبني مواقف سياسية أوسع كاستراتيجية بقاء. وفي سيناريو تصعيد متقدم، قد يؤدي الضغط الخارجي المستمر إلى زيادة التنسيق بين العصابات المصنفة كمنظمات إرهابية.

وقد يدفع التصعيد العصابات إلى تبني خطاب قومي، نشر روايات معادية للولايات المتحدة وتطوير طموحات سياسية حقيقية. وقد يبدأ ذلك بدعم الأحزاب المناهضة للتدخل الأجنبي، ويتطور إلى تكتيكات تمرد إذا بدا أن الرئيسة شينباوم قد جرى تجاوزها أو إضعافها. وهكذا، فإن ما بدأ كتوصيف قانوني مفيد قد يتحول إلى واقع خطير - بتحويل مجرمين يسعون إلى الربح إلى خصوم ذوي دوافع أيديولوجية وقاعدة شعبية. بكلمات موجزة، ينطوي التدخل العسكري على مخاطر خلق العدو الذي يسعى إلى القضاء عليه.

الدروس المستفادة للسياسات العالمية

بالنسبة لصنّاع السياسات حول العالم، توضح الحالة المكسيكية كيف يمكن للأطر القانونية الداخلية أن تعزز التعاون الثنائي دون اللجوء إلى القوة العسكرية. ويمثل التصنيف كمنظمة إرهابية رافعة قانونية معززة تضيف ما يلي إلى التعاون التقليدي في إنفاذ القانون: قوانين مكافحة الإرهاب، العقوبات المالية، توسيع الاختصاص القضائي. تشير نتائج مثل تدمير 1887 مختبرًا لإنتاج المخدرات، ونقل 90 مجرمًا، والقضاء على أحد كبار قادة العصابات إلى أن الضغط القانوني المحسوب بعناية يمكن أن يحقق نتائج لم يكن التعاون التقليدي وحده قادرًا على تحقيقها.

أما الدرس الجوهري فيتمثل في إدارة عتبات التصعيد. تنجح هذه الاستراتيجية لأنها تعمل: فوق أساس الشراكات القائمة، مع خلق حوافز جديدة وبين التعاون الأمني التقليدي والتصعيد العسكري المضر. غير أن التجربة المكسيكية تكشف وجود عتبات حرجة:

فالانتقال إلى العمل العسكري الأحادي قد يحول المجرمين الباحثين عن الربح إلى خصوم ذوي دوافع أيديولوجية.

وتعتمد الاستدامة على إدراك أن الفعالية لا تكمن في التصعيد، بل في تعزيز التعاون مع الحفاظ على شرعية الشريك. وبالنسبة للدول التي تواجه الجريمة المنظمة العابرة للحدود، تقدم المكسيك نموذجًا يجمع بين الفرصة والتحذير - إذ يوضح أن الأدوات القانونية المبتكرة يمكن أن تعزز الشراكات الثنائية، ولكن فقط عندما تُطبَّق مع مراعاة دقيقة للتفاعلات السياسية التي تجعل التعاون ممكنًا.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙