خلال عام 2025، استعادت المناقشات داخل مجلس التعاون الخليجي زخمها بشأن تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي الجماعي. وقد شكّلت حادثتان أمنيتان تعرّضت لهما دولة قطر نقطتي مرجعية عملياتية بالغة الأهمية: الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة العديد الجوية في 23 يونيو، والهجوم الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر. وعلى الرغم من أن هاتين الحادثتان لم تُغيّرا من التوجه الاستراتيجي العام لمجلس التعاون الخليجي، لكنهما اختبرتا ترتيبات الدفاع الجوي والصاروخي القائمة.
وعقب الضربة التي تعرضت لها الدوحة، عُقدت قمة عربية إسلامية طارئة في الدوحة يومي 14 و15 سبتمبر، تلتها سلسلة من الاجتماعات الاستثنائية لمجلس الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي، كان آخرها في الكويت في 25 نوفمبر. وقد تُوِّجت هذه المباحثات في 18 سبتمبر، عندما اجتمع وزراء الدفاع وكبار المسؤولين من جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست في الدوحة للإعلان عن حزمة من تدابير الدفاع الجماعي. وركّزت هذه التدابير على ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية من خلال القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون الخليجي؛ تسريع إنشاء نظام إنذار مبكر مشترك من خلال ربط أجهزة الاستشعار الوطنية بصورة عملياتية موحدة؛ ورفع مستوى الجاهزية عبر تبادل بيانات الوضع الجوي في الوقت الفعلي، على أن يُتبع ذلك بإجراء تدريبات مشتركة.
على الصعيد السياسي، أكد قادة دول مجلس التعاون الخليجي والأمين العام جاسم محمد البديوي مجددًا على مبدأ "أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي كلٌّ لا يتجزأ"، وذلك خلال أعمال الدورة السادسة والأربعين للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي في البحرين بتاريخ 3 ديسمبر 2025، وكذلك خلال اجتماع الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الذي عُقد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر. وفي هذا السياق، أكد البديوي استمرار المناقشات مع الولايات المتحدة بشأن مشروع "درع الدفاع الصاروخي الخليجي المشترك" المقترح، مشيرًا إلى وجود مسائل فنية جوهرية لا تزال عالقة ولم تُحسم بعد. كما أشار مسؤولون خليجيون إلى أن هذه العملية قد تُفضي إلى مشاركة الولايات المتحدة في مناورة مشتركة واسعة النطاق مُقرر إجراؤها مطلع عام 2027.
وبمجملها، تُشير هذه التطورات إلى إعادة تقييم تدريجية لهيكل البنية الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي. وما يميّز المرحلة الراهنة عن جهود ومحاولات التكامل السابقة هو تزامن اختبارات الضغط العملياتية عالية المستوى والمتكررة مع الرسائل والإشارات السياسية المتواصلة والواضحة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.
من التضامن السياسي إلى التساؤلات العملياتية
لطالما شكّل التماسك السياسي ركيزة أساسية للجهود الأمنية في دول مجلس التعاون الخليجي. إلا أن الأحداث الأخيرة سلطت الضوء على الأبعاد والتداعيات العملياتية لهذا التماسك. فقد أظهر هجوم يونيو على قاعدة العديد الجوية وعملية إسرائيل في الدوحة في سبتمبر كيف أن التهديدات متعددة الأطراف وتنوع مسارات الهجوم، وضيق الأطُر الزمنية للاستجابة، تكشف عن قصور الدفاعات المجزأة التي تُدار بشكل وطني منفصل.
لذا، فإن التحدي الرئيسي الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي ليس غياب التوافق السياسي، بل ترجمته إلى آليات عملياتية فعّالة. وتشير المشاورات الدفاعية الأخيرة إلى تزايد الاتفاق على ضرورة أن يولي التعاون الأولوية للنتائج القابلة للقياس، بما في ذلك تبادل قدرات الإنذار المبكر، وتحسين نقل البيانات في الوقت الفعلي بين مراكز القيادة الوطنية، وتوسيع نطاق التدريبات المشتركة للدفاع الجوي المصممة لمحاكاة بيئات التهديدات المعقدة وعالية المستوى.
ويعكس هذا التحول إدراكًا متناميًا بأن الدفاع الجوي والصاروخي الحديث يعتمد على تكامل المعلومات بقدر اعتماده على قدرات الاعتراض الصاروخي.
ويُعد دمج بيانات أجهزة الاستشعار، وبناء الوعي الظرفي المشترك، ووضع ترتيبات تنسيق واضحة أمورًا جوهرية في بيئة يمكن فيها للتهديدات أن تعبر عدة مجالات جوية خلال دقائق معدودة. ونظراً لكثافة المجال الجوي في منطقة الخليج، وقِصر مسافات الاشتباك، وقرب البنية التحتية الحيوية، فإنّ أطر الاستجابة الزمنية تكون شديدة الضيق بطبيعتها.وتشير المناقشات الحالية إلى ضرورة بذل جهود متجددة لترسيخ هذا النوع من التنسيق بشكل أكثر منهجية وعلى مستوى مجلس التعاون الخليجي ككل.
التشغيل البيني بوصفه التحدي الجوهري
لا يزال التشغيل البيني إحدى أبرز العقبات التي تحول دون تعميق التكامل الدفاعي الجوي والصاروخي لدول مجلس التعاون الخليجي. فعلى مدى العقد الماضي، استثمرت دول الخليج بشكل مكثف في أنظمة دفاع متعددة الطبقات لمواجهة الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والتهديدات الجوية الناشئة عن الطائرات غير المأهولة. وتشمل هذه الاستثمارات أنظمة متطورة عالية المستوى مثل باتريوت باك-3 وثاد للدفاع في الطبقات العٌليا، مدعومة بأنظمة متوسطة المدى مثل ناسامس وتشيونغونغ كي إم-سام، فضلاً عن أصول دفاع جوي قصيرة المدى. وبينما عززت هذه الاستثمارات القدرات الوطنية، فقد أدت أيضاً إلى ظهور مزيج غير متجانس من المنصات ذات بنى وواجهات قيادة وسيطرة متباينة.
ويُعقّد هذا التنوع من إمكانية بناء صورة عملياتية موحدة. إذ تحدّ الاختلافات في تنسيقات البيانات ودقة أجهزة الاستشعار ونطاقات الاشتباك ومعايير البرمجيات من دمج البيانات الحسية في الوقت الفعلي، حتى في ظل وجود ترتيبات ثنائية أو ترتيبات مع الدولة المضيفة تُوفّر بعض التسهيلات.
وقد أعادت الأحداث الأخيرة – من هجوم 23 يونيو على قاعدة العديد إلى الضربة الإسرائيلية في 9 سبتمبر – تأكيد هذه القيود، مُبرزةً أهمية الإنذار المبكر والتنسيق وسرعة الاستجابة. وتُضفي أنماط الهجمات على ارتفاعات عالية ومن مسافة بعيدة، مقترنة بضيق أطر الاشتباك الزمنية، أهمية قصوى لتبادل البيانات السريع والاستجابة المنسقة.وبدون معايير بيانات مشتركة، وطبقات برمجية قابلة للتشغيل البيني، وإجراءات مُجرَّبة ومُدرَّبة، فإن حتى أكثر الأنظمة تقدمًا قد تعمل بشكل متوازٍ ومنفصل بدلًا من العمل كمنظومة واحدة متكاملة.
ولا تقتصر تحديات قابلية التشغيل البيني على الجوانب التقنية والمادية فحسب، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فالحفاظ على وضعية دفاعية متكاملة يتطلب توحيد وتوافق العقائد العسكرية، وتنفيذ تدريبات مشتركة منتظمة، وتوافق قواعد الاشتباك، ووضع إجراءات واضحة لتتبع الأهداف والتعامل معها أثناء انتقالها عبر المجالات الجوية الوطنية المختلفة. لذا، تُعطي المناقشات الحالية الأولوية لتحقيق التوافق في نقاط الارتكاز التشغيلية الرئيسية - الإنذار المبكر، وتبادل البيانات، والوعي الظرفي - بدلًا من توحيد النظام بالكامل.
القيادة والسيطرة والاستدامة
حتى مع تحسّن مستويات الترابط التقني، تظل الفعالية مرهونة بترتيبات القيادة والسيطرة وبقدرة المنظومة على الاستدامة. فالدفاع الجماعي يثير تساؤلات حسّاسة تتعلق بسلطة الاشتباك وتقاسم المسؤوليات، ولا سيما في الحوادث سريعة التغير التي تشمل مجالات جوية متعددة. في سياق دول مجلس التعاون الخليجي، وجّه ذلك الاهتمام إلى كيفية تفاعل سلطات القيادة الوطنية مع أطر التنسيق الإقليمية، بما في ذلك دور القيادة العسكرية الموحدة بوصفها جهة مُيسِّرة للتنسيق، لا مقرًا مركزيًا يتولى القيادة وإصدار الأوامر العملياتية المباشرة.
وتضيف الاستدامة بعداً آخر من التعقيد. فقد أظهرت النزاعات الحديثة مدى السرعة التي يمكن أن تُستنزف بها مخزونات الصواريخ الاعتراضية تحت ضغط العمليات المستمرة، مما يبرز التحديات المرتبطة بإعادة الإمداد، وأولويات الاستخدام، والتفاوت في مستويات الجاهزية. كما أن الأنظمة المتقدمة مثل باك-3 وثاد تتطلب فترات زمنية طويلة للتوريد، وصيانة متخصصة، وتدريباً مستمراً، الأمر الذي يجعل التخطيط المنسق بين الدول ضرورة لا غنى عنها.
لذا، تلعب التدريبات المشتركة ودورات التدريب المؤسسية المنتظمة دورًا حاسمًا. ركزت التدريبات والمناورات الأخيرة لمجلس التعاون الخليجي وتدريبات مراكز القيادة المرتبطة بمجلس الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية بشكل متزايد على سيناريوهات الدفاع الجوي والصاروخي، بما في ذلك بروتوكولات تبادل المعلومات ومحاكاة تتبع التهديدات العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يمكن للقيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي والهيئات الفنية التابعة لها أن تلعب دوراً تمكينياً هاماً في تعزيز التعاون المستدام مع الحفاظ في الوقت ذاته على صلاحيات القيادات الوطنية واحترام سيادتها.
طبقة أمنية تكميلية
يجري التنسيق على مستوى مجلس التعاون الخليجي ضمن منظومة معقدة من الترتيبات الأمنية الثنائية والمتعددة الأطراف. ومن ثمّ، فإن أي بنية دفاعية خليجية أكثر تكاملاً ينبغي أن تُفهم على أنها تكميلية لا إحلالية. فمن خلال مواءمة الآليات الإقليمية مع اتفاقيات الدفاع القائمة وأطر الإنذار المبكر المعتمدة، تستطيع دول الخليج تقليص الازدواجية، وسد فجوات التغطية، وتعزيز فاعلية الاستثمارات الوطنية في مجال الدفاع. وتؤكد المناقشات الأخيرة على بناء القدرات العملية، مثل تبادل البيانات والتدريب المشترك، بدلاً من إنشاء هياكل جديدة جامدة، بما يحافظ على المرونة ويعزز في الوقت ذاته الجاهزية الجماعية على الصمود.
وقد دأب المسؤولون على تأطير جهود التكامل الخليجي بوصفها تعزيزاً للشراكات الأمنية القائمة، لا بديلاً عنها. ويعكس هذا التوجه كلاً من الاعتبارات العملياتية والحذر المؤسسي، إدراكاً بأن البنى الدفاعية الوطنية ما تزال متجذرة بعمق في أطر تعاون أوسع نطاقاً. وتواصل الشراكات الخارجية، ولا سيما مع الولايات المتحدة، تشكيل البيئة العملياتية، حتى مع سعي التنسيق على مستوى مجلس التعاون إلى تعزيز الملكية الإقليمية والجاهزية الذاتية. وفي هذا السيناريو سريع التغير، يمكن لطبقة تنسيق خليجية أكثر تماسكاً أن تسهم أيضاً في دعم إدارة الأزمات، من خلال تقليص مستويات عدم اليقين وتحسين تبادل المعلومات بين الدول الأعضاء.



