شهدت الأيام الأولى من عام 2026 صدمة استراتيجية غير متوقعة للنظام الدولي. فبينما كان العالم يخرج من احتفالات رأس السنة، انطلقت أنباء عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو داخل الأراضي الفنزويلية خلال عملية عسكرية أجرتها قوة أجنبية. ورغم الانقسامات الحادّة في الآراء الدولية بشأن قيادة مادورو، فإنّ طريقة تنفيذ هذه العملية ورمزيتها أثارت انعكاسات بعيدة المدى على الأمن العالمي، وعلى مفهوم السيادة، وعلى مستقبل ممارسة سلطة الدولة.
ومن منظور السياسات العامة، يستدعي هذا الحدث دراسة متأنية تتجاوز ردود الفعل السياسية السريعة. فإنّ اعتقال رئيس دولة على رأس منصبه على أيدي قوات أجنبية، في ظل غياب إطار قانوني صريح، يُعدّ خروجًا ملحوظًا عن الأعراف المعمول بها التي تنظّم التدخل واستخدام القوة في العلاقات الدولية. في عام 1989، كانت هناك سابقة تاريخية عندما تمّ اعتقال مانويل نورييغا، الرئيس الفعلي لبنما آنذاك، وتقديمه للمحاكمة أمام المحاكم الأمريكية بتهم تتعلق بالمخدرات. بالنسبة للقراء المهتمين بالأمن، وصانعي السياسات، والباحثين في القانون الدولي، تؤكد الحادثتان على تغيّر البيئة الدولية، حيث إن الأطر القانونية، وافتراضات الردع، والعتبات الاستراتيجية باتت موضع اختبار!
أعراف التدخل تحت الضغوط الاستراتيجية
في صميم هذا التطور يكمن تحدٍّ جوهري للمبادئ الطويلة الأمد للقانون الدولي. فالمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر صراحة التهديد أو استخدام القوة ضد وحدة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول. والاستثناءات محدودة، وتحديدًا لأغراض الدفاع عن النفس (المادة 51) أو في حال أُجيز التدخل بموجب قرار من مجلس الأمن، وهي تضيق التبريرات القانونية للتدخل العسكري.
تبدو عملية العزم المطلق (كما سمتها الولايات المتحدة على الضربة والاعتقال الذي جرى في الثالث من يناير) خارج هذه المعايير بشكل واضح. بررت الولايات المتحدة العملية باعتبارها “مهمة قضائية لاستخراج الرئيس”، بصفتها استجابة من الجيش لنداء أجهزة إنفاذ القانون.
على عكس التدخل السابق في ليبيا عام 2011، حيث كان تغيير النظام معلنًا أو مبررًا من خلال سرديات إنسانية أو أمنية مثيرة للجدل، ركزت هذه العملية على احتجاز رئيس دولة على رأس منصبه دون حملة معلنة أو تفويض متعدد الأطراف.
من منظور السياسات، لا يشكّل هذا مجرد خرق للأعراف، بل يعكس احتمال إعادة تحديد ما قد تعتبره الدول القوية مقبولًا على الصعيد العملي.
بالنسبة لصانعي السياسات والقادة المعنيين بالاستقرار الدولي، فإن هذه العلامة الفارقة ذات دلالة بالغة الأهمية. فالأعراف تتآكل تدريجيًا، وليس دفعة واحدة. عندما تمرّ الإجراءات الاستثنائية دون ردّ أو تُصبح مقبولة على المستوى الخطابي، يزداد خطر تحولها إلى سوابق. مع مرور الوقت، يتلاشى هامش التمييز بين الإجراءات الاستثنائية لفرض القانون والسياسات القسرية الروتينية للدول، مما يضعف القدرة على التنبؤ التي تشكّل أساس الاستقرار الاستراتيجي.
الأحادية في اتخاذ القرار
أهمية هذه العملية أنها تبعث رسالة أكبر للعالم بشأن العمل الأحادي. فالنظام الدولي طالما سمح بدرجة معينة من التصرفات الأحادية للدول القوية، لا سيما عندما تُعتبر المؤسسات العالمية بطيئة أو غير فعّالة. ومع ذلك، فإن الأثر التراكمي للتدخلات المتكررة غير المصرح بها يحمل تبعات استراتيجية كبيرة. ويشير ميرشايمر، في تحليله لسياسات القوى العظمى، إلى أن الاعتماد المتزايد على القدرة العسكرية على حساب الأطر القانونية أو المؤسسية من شأنه أن يؤدي إلى تراجع الاستقرار أثناء الأزمات بدلاً من أن تؤدي القوة العسكرية إلى تعزيز الاستقرار في هذه الأوقات.
النظام الدولي لا يقوم على النصوص القانونية وحدها، بل على الإيمان الجماعي بأهميتها. وعندما تتجاوز الدول بشكل متزايد الآليات متعددة الأطراف، يعزز ذلك الانطباع بأن المؤسسات الدولية تفتقر إلى القدرة على التنفيذ. وعلى المدى الطويل، يثير هذا الاتجاه قلقًا بالغًا: فالتراجع في الثقة بهياكل الحوكمة العالمية يدفع الدول إلى الاعتماد أكثر على استراتيجيات الاعتماد على الذات.
ووفقًا لما تقترحه الواقعية الهيكلية لـ كينيث والتز، فإن الدول في نظام فوضوي تتعامل مع حالة من عدم اليقين من خلال تعزيز قدراتها العسكرية، وتشكيل التحالفات، وتبني إجراءات تحوط ضد التهديدات المحتملة. وقد تُسرّع العملية الأخيرة من هذا السلوك، لا سيما بين القوى المتوسطة والصغيرة التي تفتقر إلى القدرة على ردع التدخل بمفردها. ومن الناحية السياسية، تحمل هذه الديناميكيات مخاطر تصاعد سباق التسلح، وتفكك التحالفات، وزيادة حالة عدم الاستقرار خلال الأزمات في عدة مناطق.
القلق الاستراتيجي يتجاوز القوى العظمى
تمتد تداعيات عملية “العزم المطلق” إلى ما هو أبعد من فنزويلا أو العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. وقد عكست ردود فعل الأمم المتحدة، من خلال بيان أمينها العام أنطونيو غوتيريش، تزايد قلق الدول غير الكبرى بشأن مدى استمرار السيادة في نظام عالمي يشهد تغيّرات. في بيانه الذي قُرئ أمام مجلس الأمن، عبر غوتيريش عن مخاوفه من “احتمال تفاقم حالة عدم الاستقرار في البلاد”، واصفًا التدخل بأنه “سابقة خطيرة”” في العلاقات الدولية.
حذّر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة من أن حل النزاعات السياسية بالقوة يعرض العالم إلى أن يصبح “أقل أمانًا”. ومن منظور السياسات، يسلط هذا التحذير الضوء على قضية أعمق: إذ يبدو أن عتبة شرعية التدخل أصبحت أكثر غموضًا مع مرور الوقت. عندما تصبح معايير التبرير مرنة، تواجه الدول الأضعف مستوى متزايدًا من عدم اليقين بشأن مدى تعرضها لإجراءات قسرية.
تُظهر الأنباء الموثَّقة مقتل 32 من الأفراد الكوبيين خلال العملية، مما يبرز مخاطر التورّط المباشر بين كوبا وفنزويلا والولايات المتحدة. قد تجد الدول الأخرى، والتي تربطها علاقات استشارية أو أمنية أو اقتصادية مع الحكومات المستهدفة، نفسها مجبرة على الانخراط في صراعات، مما يعقد حسابات الردع وإدارة الأزمات.
وبعيدًا عن الأميركتين، ظهرت أصداء استراتيجية واضحة بمناطق أخرى. تُبرز المناقشات داخل الاتحاد الأوروبي حول الإجراءات الأحادية الافتراضية ضد جرينلاند مدى سرعة انتقال التصورات المسبقة للتصرفات عبر المناطق المختلفة بالنسبة لوزارات الدفاع، تؤكد عملية ‘العزم المطلق’ (2025) على ضرورة إعادة تقييم الافتراضات المتعلقة بحرمة المساس بالأراضي وضبط التصعيد في ظل بيئة دولية تتسم بتغيّر الأعراف والقواعد. من المتوقع أن يلتقي وزيرا خارجية جرينلاند والدنمارك بنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو لبحث فكرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الاستحواذ على جرينلاند.
آثار السياسات على الأمن العالمي
تطرح حالة فنزويلا عدة أسئلة عاجلة. أولًا، هل يمكن احتواء التدخلات الأحادية من هذا النوع كإجراءات إنفاذ استثنائية مرتبطة بسياقات معينة مثل مكافحة المخدرات، أو تنفيذ القانون، أو الدفاع عن النفس؟ أم أنها مؤشر على تحول أوسع نحو فرض المصالح الوطنية بالقوة؟
ثانيًا، ما الدور المتبقي للمؤسسات متعددة الأطراف مثل مجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية في كبح التصعيد إذا استمر تزايد تصرف القوى الكبرى خارج أطر العمل المعتمدة؟ الفجوة في المصداقية بين الأعراف القانونية والسلوك الاستراتيجي تطرح مخاطر طويلة الأجل على إدارة الأزمات، لا سيما في المناطق التي تشهد تنافسًا بين قوى عظمى.
وأخيرًا، كيف ينبغي أن تستجيب القوى المتوسطة؟ قد تصبح استراتيجيات التحوط، والشراكات المتنوعة، وتعزيز القدرات الدفاعية أكثر جاذبية، إلا أنها قد تسهم أيضًا في تصاعد الميل نحو تغليب الحل العسكري. ومع ذلك، تمارس القوى الكبرى ضغوطًا مستمرة على القوى المتوسطة، مع حرصها في الوقت ذاته على عدم إثارة الاحتكاك فيما بينها.
من غير المرجح أن تكون فنزويلا الدولة الوحيدة المتأثرة بسعي الولايات المتحدة نحو تحقيق أهداف استراتيجية تحت إدارة ترامب، إذ توضح الإشارات الأخيرة من القيادة الأميركية إلى أن البلدان التي تعاني من علاقات متوترة مع واشنطن وتمتلك قيمة استراتيجية أو موارد مهمة قد تواجه تعرضًا متزايدًا للضغط القسري أو التدخل. تعزز عملية ‘العزم المطلق’ الانطباع بأن المنفعة الجيوسياسية، أكثر من الإجماع متعدد الأطراف، وهو ما قد يحدد سياسات الولايات المتحدة في المستقبل.
كما أن العملية تزيد من حالة عدم اليقين بالنسبة إلى كوبا، التي اعتمدت لسنوات طويلة على النفط الميسّر والدعم الاقتصادي من فنزويلا. يمثل استمرار التعطّل خطراً على إمدادات الوقود، وتوزيع الكهرباء، وانكماش الاقتصاد، مما يزيد من احتمالات انفجار حالة من عدم الاستقرار الداخلي والضغوط الإنسانية. وتستدعي هذه المخاطر تدخلًا سياسيًا مبكرًا لمنع اتساع تداعياتها على مستوى المنطقة.
تسلّط هذه التطورات مجتمعة الضوء على ضرورة الاستعداد على مستويات متعددة. وعلى الحكومات التخطيط ليس فقط لمواجهة التحديات الأمنية المباشرة، بل أيضًا للتعامل مع التأثيرات الثانوية مثل انقطاعات الطاقة، والصدمة الاقتصادية، والاضطرابات الاجتماعية. تعزيز الجاهزية والتنسيق متعدد الأطراف سيكونان أساسيين في بيئة أمنية تتسم بتصاعد التقلبات.
خاتمة
القبض على رئيس فنزويلا في أوائل 2026 هو أكثر من مجرد حادث جيوسياسي فردي؛ فهو نقطة تحول استراتيجية تُبرز تراجع الأعراف المتعلقة بالتدخل، وتنامي قابلية العمل الأحادي، وتصاعد حالة عدم الأمان لدى الدول غير العظمى. وهو ما أكدت عليه مارثا فينمور في كتابها The Purpose of Intervention (2003) حين فسّرت أن الأعراف الدولية لا تنهار فجأة؛ بل تضعف تدريجيًا من خلال التكرار والقبول المتكرر لانتهاكاتها. فالتصرفات التي تُبرَّر في البداية بوصفها استثناءات يمكن أن تعيد، مع مرور الوقت، صياغة التوقعات بشأن ما يُعتبر سلوكًا مقبولًا.
سواء كان القبض على رؤساء الدول الأجانب أثناء توليهم مناصبهم حادثًا فريدًا أم سيصبح نموذجًا لسلوك الدول في المستقبل، فإنه سيشكل مسار الأمن الدولي في العقد القادم.
والواضح أن النظام الدولي دخل مرحلة من عدم اليقين المتصاعد، حيث أصبحت القوة، وليست المبادئ وحدها، هي ما تحدد بشكل متزايد حدود الفعل أو التصرف المقبول.




