نفذت القوات العسكرية الأميركية عملية عسكرية نوعية ناجحة حملت اسم "العزم المطلق”، وهو ما يعكس الدمج النادر بين الدقة العسكرية والتخطيط الاستخباري السري. وأفادت تقارير بأن القوات العسكرية الأميركية استخدمت أكثر من 150 طائرة، من بينها مروحيات شبحية وقاذفات إسناد، ونفذت الغارة تحت جنح الظلام لتقليل المقاومة إلى أدنى حد. سبق الهجومَ رصدٌ مكثف وتدريباتٌ على نموذج مطابق بالحجم الكامل لمجمّع إقامة مادورو، كما حظي بدعم عمليات سيبرانية هدفت إلى شلّ دفاعات فنزويلا. وعقب اشتباكات قصيرة، جرى إخضاع مادورو وزوجته في مقر إقامتهما بكاراكاس، ثم نُقلا أولًا إلى سفينة حربية أميركية، قبل ترحيله جوًا إلى نيويورك لمواجهة اتهامات جنائية أميركية. وتشير تقارير لاحقة إلى أن الإعداد السياسي والاستخباري للعملية استمر لشهور، وشمل ذلك تواصلًا هادئًا مع شخصيات معارضة ووضع خطط طوارئ لانشقاقات محتملة داخل النخب، بما يؤكد أن الضربة لم تكن تحركًا عفويًا، بل عملية قطع رأس مُحكمة ومنسّقة بعناية.
مبررات أمنية: الإرهاب المرتبط بالمخدرات، الشبكات غير المشروعة، وتصوّر الولايات المتحدة للتهديد
تستند المبررات القانونية والاستراتيجية التي قدّمتها واشنطن إلى سردية الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي، وأظهرت نيكولاس مادورو على أنه حلقة وصل بين الإرهاب المرتبط بالمخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود. وقد أكّد مسؤولون ومشرّعون أميركيون أن مادورو يواجه لوائح اتهام أمام محاكم الولايات المتحدة لا تقتصر على التآمر في قضايا الإرهاب المرتبط بالمخدرات، بل تشمل أيضًا التآمر على توزيع وتوريد الكوكايين إلى الأراضي الأميركية، إضافة إلى حيازة واستخدام رشاشات وأسلحة مدمّرة في سياق عمليات الاتجار بالمخدرات، في توصيف يقدّم قيادته كـكيان إجرامي مسلح لا كحكومة شرعية.
وفي هذا السياق، شددت المدعية العامة الأميركية بام بوندي مرارًا على أن هذه الاتهامات تتعامل مع مادورو بوصفه متهمًا جنائيًا يعمل تحت غطاء سلطة الدولة، وهو ما يجعل عملية القبض عليه إجراءً لإنفاذ القانون وحماية الأمن القومي، وليس عملًا عسكريًا تقليديًا.
يتجسّد هذا التأطير الأمني في استراتيجية الأمن القومي الأميركية 2025، التي ترفع من مكانة النصف الغربي من الكرة الأرضية باعتباره ساحة استراتيجية محورية، وتربط نشاط الكارتلات بأمن الداخل الأميركي، وتؤكد ما تصفه بـ «متمّمة ترامب» لمبدأ مونرو، والتي تُجيز اللجوء إلى إجراءات قسرية ضد شبكات الإرهاب المرتبط بالمخدرات عند الضرورة. تعكس هذه الصياغة إحياءً واضحًا للتفكير على نهج مبدأ مونرو، من خلال إعادة صياغة أمن نصف الكرة الغربي بأنه مسؤولية أميركية متزايدة، بدل أن يُدار أساسًا عبر آليات متعددة الأطراف.
مع ذلك، تواجه هذه السردية اعتراضات على أكثر من جهة، ويرى المنتقدون أن الاتجار بالمخدرات، مهما بلغت خطورته، لا يشكّل هجومًا مسلحًا يخول تفعيل حق الدفاع عن النفس الدولي وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. ووصف الأمين العام للأمم المتحدة وخبراء القانون العملية بأنها سابقة خطيرة وانتهاك واضح لسيادة فنزويلا، مشيرين إلى أن الوفيات الناجمة عن المخدرات وعمليات التهريب وحدها لا ترتقي إلى مستوى الهجوم المسلح الذي يبرر استخدام القوة العسكرية عبر الحدود.
وعلى نطاق أوسع، تسلط هذه الحادثة الضوء على توتر مستمر بين النهج القائم على القوة وفرض السيطرة مقابل النظام الدولي القائم على القواعد، وهي مسألة تزداد وضوحًا في صراعات القوى العظمى المعاصرة. ويعكس جزء كبير من المنطق الأميركي في هذا السياق مزجًا بين منطق القانون الجنائي وتفسير مفهوم الأمن القومي المؤمّن بالقوة، ما يوسع الحدود التقليدية للقوة المبررة.
ما وراء الأمن المرتبط بالمخدرات: الدوافع الاستراتيجية والاقتصادية ونفوذ القوة
يجب قراءة قرار إدارة ترامب ضمن سياق استراتيجي أوسع يتجاوز مجرد تبرير العملية بأنها ضمن جهود مكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات. أولاً، إن اعتقال رئيس دولة يعكس ويؤكد الأسبقية الأميركية في نصف الكرة الغربي، وهو إشارة واضحة لا تقتصر على حكومات المنطقة فحسب، بل تمتد أيضًا إلى القوى الإقليمية الكبرى مثل الصين وروسيا، مفادها أن واشنطن لا تزال مستعدة لاستخدام القوة لتشكيل النتائج قرب حدودها. وتتماشى العملية مع اتجاه أوسع نحو التفكير في مناطق نفوذ واضحة، حيث تتصرف القوى الكبرى بحسم داخل المناطق التي تعتبرها حيوية استراتيجيًا. كما حطّمت هذه الخطوة افتراضًا راسخًا في أميركا اللاتينية مفاده أن التدخل العسكري الأميركي المباشر ضد قادة في السلطة بات أمرًا غير قابل للتصور سياسيًا في حقبة ما بعد الحرب الباردة.
ثانيًا، يبدو أن النفوذ في مجالي الطاقة والاقتصاد بات متشابكًا بشكل متزايد مع الرسائل السياسية للعملية. أعلن الرئيس ترامب علنًا بأن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا مؤقتًا وستعمل على «إصلاح» قطاع النفط فيها، واعدًا بعقود لشركات النفط الأميركية، ومؤكدًا دورًا أميركيًا أقوى في إنتاج النفط وتصديره. يتزامن هذا الخطاب مع تقارير تُسلّط الضوء على التدهور الحاد في البنية التحتية للنفط في فنزويلا، التي كانت تمتلك يومًا أكبر الاحتياطيات المؤكدة في العالم، إلا أن هذا الثقل الجيولوجي يتناقض مع واقع إنتاجي هش، نتيجة عقود من نقص الاستثمار، والعقوبات، والفساد، وسوء الإدارة. في المقابل، تشير التقييمات بعيدة المدى إلى أن نجاح الانخراط الخارجي في فنزويلا لن يُقاس بإنتاج النفط وحده، بقدر ما سيرتبط بقدرة البلاد على استعادة مؤسساتها، وإصلاح منظومة الحكم، وترسيخ شرعية سياسية حقيقية. ويعني ذلك أن زعزعة النظام القائم قد تترافق مع إعادة هيكلة اقتصادية تتم تحت إشراف الولايات المتحدة وحلفائها، بما يزيد من طمس الحدود الفاصلة بين التدخل الأمني وتوظيف الأدوات الاقتصادية.
ثالثًا، يبدو أن الحسابات السياسية الداخلية تلعب دورًا حاسمًا في توجيه موقف الإدارة الأميركية. فقد سارع مسؤولون بارزون، بينهم السيناتور ماركو روبيو، إلى فرض شروط مباشرة للتعامل مع قيادة فنزويلا في مرحلة ما بعد مادورو، تشمل الالتزام بإصلاحات السوق، وإعادة هيكلة قطاع الطاقة، والتعاون في ملفات الهجرة والأمن، ما يشير إلى أن التدخل الجاري يجري توظيفه بالفعل لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية. تصوير الولايات المتحدة على أنها تكافح بقوة الإرهاب المرتبط بالمخدرات، وتعيد النظام الإقليمي، وتحمي المجتمعات الأميركية من أضرار المخدرات، يرسخ رواية «السلام عبر القوة» التي تلقى صدى لدى قواعدها الأساسية، لكنه في الحقيقة غطاء دعائي يكتنفه تناقض صارخ مع الواقع القانوني والأخلاقي.
السياق المقارن: التدخلات الأميركية وحالة مانويل نورييغا في بنما
على مر التاريخ، لم تتردد الولايات المتحدة في التدخل عسكريًا في أمريكا اللاتينية كلما شعرت أن مصالحها الاستراتيجية على المحك أو أن أمنها القومي معرض للخطر. وأبرز سابقة على ذلك هي غزو بنما عام 1989 (عملية العدالة الحاسمة)، حيث اعتقلت القوات الأميركية الجنرال مانويل نورييغا، العميل السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية، بعد توجيه اتهامات له بالاتجار في المخدرات. على الرغم من أن نورييغا اعترض على إزاحته بالقوة قائلاً أنه ينتهك سيادة بلاده والقانون الدولي، تجاهلت المحاكم الأميركية هذه الحجة واعتبرت أن الولايات المتحدة مخوّلة بمحاكمته. وعلى عكس ما حدث في بنما، لم تشهد العملية في فنزويلا نشر قوات ضخمة أو احتلالاً طويلاً، بل كانت غارة صغيرة ومحددة الأثر لكن ذات دلالة سياسية قوية.
مع ذلك، ثمة خطوط واضحة بين التدخلين: فقد برُر كل من التدخلين باستخدام اتهامات جنائية، وشمل كل منهما هجمات مباشرة على قيادات ذات سيادة، وأثار كلاهما إدانات إقليمية باعتباره انتهاكًا لـ ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة
ما يجعل حالة فنزويلا فريدة وخطيرة هو حجمها الجيوسياسي الهائل باعتبارها منتجًا رئيسيًا للنفط ودولة محورية في أمريكا الجنوبية، وغياب أي تفويض رسمي من الكونجرس الأميركي، وربط القبض على القيادة مباشرةً بـإشراف أميركي مشروط على الانتقال السياسي والاقتصادي — وهو ما كشف عنه كبار المسؤولين الأميركيين بصراحة.
التداعيات القانونية والمعيارية: القانون الدولي تحت الضغط
يتعرض التدخل الأميركي لانتقادات قانونية حادة ومتعددة الأبعاد. إذ يعتبر خبراء القانون الدولي أن التحرك الأميركي ينتهك المادة 2، القسم (4) من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يمنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، وأن تبرير العملية بمخاطر مرتبطة بتجارة المخدرات لا يفي بالمعايير المعترف بها للدفاع المشروع عن النفس. وصف الأمين العام للأمم المتحدة هذه الخطوة صراحة بأنها سابقة خطيرة تقوض النظام الدولي القائم على القواعد. وأصبحت هذه القضية مثالًا بارزًا للجدل حول مدى قدرة القانون الدولي على ضبط تصرفات القوى الكبرى أم يقتصر دوره على كونه مرجعًا معياريًا للدول الأقل قوة.
في الوقت نفسه، يتيح القانون الأميركي الداخلي، بما في ذلك التفسيرات الموسعة للسلطة التنفيذية بموجب المادة الثانية من الدستور الأميركي وقانون سلطات الحرب (War Powers Resolution)، للإدارة هامشًا تعتبره كافيًا للتحرك دون الحصول على تفويض مسبق من الكونجرس، خصوصًا عندما تُصاغ العملية على أنها مزيج بين الحفاظ الأمن القومي وتطبيق القانون. ويُعد هذا التوتر بين السلطة الداخلية للإدارة الأميركية والشرعية الدولية المشكوك فيها محورًا أساسيًا لفهم النقاشات الدائرة حول مشروعية العملية.
إشارة عالمية: إيران، السياسات التحالفية، والآثار الجيوستراتيجية
قبض الولايات المتحدة على مادورو يوجّه رسالة عالمية معقدة للدول الأخرى، بما في ذلك إيران، ولشبكات التحالفات الدولية. بالنسبة لطهران، تُظهر الحادثة استعداد واشنطن لاستخدام قوة سريعة ومركزة ضد قيادات تعتبرها معادية أو مهددة لمصالحها، حتى حين يُسوّق التدخل تحت ذرائع مكافحة الجريمة والأمن. غير أن قابلية تنفيذ تدخل مماثل في إيران تبقى ضعيفة للغاية، نظرًا للفوارق العميقة في الجغرافيا والقدرات الدفاعية ومستويات مخاطر التصعيد. فعلى خلاف فنزويلا، تمتلك إيران منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، وشبكات نفوذ ووكلاء عبر عدة دول، وعمقًا استراتيجيًا واسعًا، وهي عوامل كفيلة بتحويل أي تحرك عسكري محدود بسرعة إلى حرب إقليمية شاملة.
جرينلاند تمثل حالة مختلفة تمامًا، ذلك لأنها إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك وحليفًا في الناتو، ما يجعل جرينلاند منغرسة ضمن السياسات التحالفية والأطر القانونية التي تجعل أي عملية عسكرية أميركية أحادية الجانب خطوة غير ضرورية، ومستحيلة سياسيًا وقانونيًا. والمبدأ الأوسع هنا هو أن ما يُسمّى بـ"السابقة" لا يشكّل نموذجًا فنيًا لغزو كل دولة.
بل يكمن في تصور أن معايير اتخاذ الإجراءات الحاسمة أصبحت تتشكل بشكل متزايد وفقًا للقوة والجغرافيا والأهمية الاستراتيجية، وهو تطور قد تفسّره القوى الكبرى الأخرى من منظورها الإقليمي الخاص.
هل هو نموذج جديد أم استثناء ذو تداعيات؟
تمثل عملية "العزم المطلق" نقطة انعطاف وتحول كبيرة في السياسة الخارجية الأميركية والمعايير العالمية المتعلقة باستخدام القوة. وتعكس هذه العملية تحوّلًا نحو موقف أكثر عدوانية يركز على الأمن في النصف الغربي من الكرة الأرضية، يجمع بين سرديات مكافحة المخدرات وتأكيدات استراتيجية على الهيمنة والنفوذ الاقتصادي. كما تسلط الضوء على تآكل الحدود الفاصلة بين إنفاذ القانون والتحرك العسكري في السياسة المعاصرة.
بينما حققت العملية هدفها المباشر المتمثل في القبض على نيكولاس مادورو، فإن تداعياتها الأوسع لا تزال غامضة وقد تحمل آثارًا مهددة للاستقرار الإقليمي والدولي. تظل شرعية الغارة محل جدل واسع، وقد أضعفت العملية الثقة بين الدول الإقليمية، بينما تمثل القبضة القسرية على زعيم أجنبي سابقة تهدد الأعراف الدولية الراسخة منذ منتصف القرن العشرين، موضحة كيف يمكن للقوى الكبرى تجاوز القواعد التقليدية لاعتبارات الأمن والسياسة.




