التداعيات المناخية لصراع إقليمي منفلت

في خضم حالة الضبابية التي أحاطت بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، كان مجرد تداول شائعات حول «تسرب نووي» كافياً لإثارة موجة من القلق الجماعي في مختلف أنحاء المنطقة.

وقد تجاوز هذا التهديد حدود الجغرافيا، إذ كان من الممكن أن يؤدي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة يصعب تصور حجم تداعياتها. وحذرت «الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)» من أن استهداف المناطق القريبة من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران قد يتسبب في «حادث إشعاعي كبير» يمتد تأثيره على نطاق واسع.

وفي أعقاب ذلك، انتشرت عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي إرشادات غير رسمية تتضمن «ما ينبغي فعله وما ينبغي تجنبه» للتعامل مع تداعيات الكارثة.

كان هذا التطور من العوامل القليلة التي فرضت قدراً من الواقعية والحذر في حرب اتسمت بهجمات عنيفة، وضربات مضادة، وتصريحات وتهديدات تصعيدية. ورغم حالة القلق المتزايد، لم تظهر أي آلية إقليمية جماعية تحول دون وقوع السيناريو الأسوأ، أو تفضي إلى حد أدنى من التوافق بشأن تجنب الاقتراب من منطقة الخطر.

أعربت منظمات دولية، من بينها «منظمة الصحة العالمية (WHO)»، عن قلقها إزاء التداعيات المحتملة، موضحة أن السلطات «فعّلت خطط الطوارئ وعززت إجراءات الرصد الخاصة بالمخاطر البيئية والإشعاعية». ومع ذلك، بقيت الاستجابة لحالات الطوارئ ضمن نطاق الإجراءات الوطنية، في ظل عدم وجود خطة إقليمية موحدة واضحة للتعامل مع هذه التحديات.

وفي السياق ذاته، قيّمت دراسة أعدها «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS)» الأثر البيئي للحرب في إيران، من خلال تحليل انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي الناتجة عن العمليات العسكرية. واعتمدت الدراسة على بيانات الأقمار الصناعية لرصد الأضرار البيئية التي طالت النظم البيئية، إلى جانب تقييم مستويات التلوث الناجمة عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت الصناعية.

وأفادت التقارير بأنه حتى منتصف عام 2026، تجاوزت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن العمليات القتالية 5 ملايين طن خلال الأسبوعين الأولين من الحرب. كما أشارت تقارير في مطلع مايو إلى انتشار بقعة نفطية كبيرة في مياه الخليج قبالة جزيرة خرج، مع تقديرات بتسرب أكثر من 3,000 برميل من النفط على مساحة تزيد على 20 ميلاً مربعاً.

الأضرار الجانبية

ومع امتداد الحرب في أنحاء المنطقة، تزايدت التقارير حول مشاهد مثل «الأمطار السوداء» فوق إيران، و«الدخان المتصاعد فوق الفجيرة»، و«المنازل المدمرة» في لبنان، إضافة إلى «التسربات والانبعاثات» في البحر. كما أثارت التهديدات التي طالت محطات تحلية المياه، والبنية التحتية للطاقة، والاضطرابات البحرية الناجمة عن الألغام، مخاوف واسعة وأبقت المجتمعات في حالة تأهب، وفقاً للتقارير الواردة.

وفي الوقت نفسه، بدأت المحميات البيئية في المنطقة الاستعداد لمواجهة تداعيات محتملة تشمل التسربات النفطية، والتلوث الناتج عن الضوضاء تحت سطح الماء، والأضرار التي قد تلحق بالحياة البحرية.

وبعبارة أخرى، أسهم الصراع في تصاعد المخاطر المرتبطة بالمناخ والصحة العامة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، مع انتقال نطاق الضربات من الأهداف العسكرية إلى المنشآت الصناعية، ومرافق الطاقة، والبنية التحتية الحضرية. كما أدى تضرر المصانع، ومراكز النقل، والمنشآت النفطية، والمناطق السكنية إلى إطلاق ملوثات سامة في الهواء والتربة والمياه، فيما زادت الحرائق، والتعرض للأسبستوس، والمعادن الثقيلة، وبقايا المواد المتفجرة من مخاطر التلوث طويل الأمد.

وقال «مرصد النزاعات والبيئة (CEOBS)» ومقره المملكة المتحدة، إن البصمة البيئية للحرب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدتها وحدتها، مشيراً إلى وجود عدد من مسارات التصعيد التي تستدعي القلق.

وأضاف المرصد: «بينما يتركز الاهتمام حالياً على حجم الأضرار، فمن الضروري النظر في الموارد المستقبلية، والقدرات الفنية، والظروف السياسية المطلوبة لإجراء التقييمات البيئية وعمليات المعالجة في الدول المتضررة».

تلوث الهواء والتربة والمياه

وفي كلمة ألقتها أمام الاجتماع الـ173 للجنة الممثلين الدائمين في نيروبي، قالت «إنغر أندرسن»، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لـ«برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)»، إن تدمير البنية التحتية، بما في ذلك منشآت تخزين الوقود ومرافق التكرير والمعالجة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، أدى إلى تلوث الهواء والتربة والمياه.

وأضافت أن «الحرائق الناجمة عن الأضرار التي لحقت بمنشآت النفط والغاز تطلق الحرارة والملوثات في الغلاف الجوي، ما يشكل مخاطر جسيمة على فرق الاستجابة للحرائق وعلى السكان المقيمين في المناطق المتضررة». كما أعربت أندرسن عن قلقها إزاء التسربات النفطية التي تؤدي إلى تلوث الأنهار والبحيرات والخزانات والمياه الجوفية والبيئات البحرية، مشيرة إلى أنها تمثل مخاطر صحية خطيرة، وتؤثر على الحياة البرية، وتفاقم تحديات شح المياه في المنطقة.

من جانبه، أكد «الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN)» أن الصراع يسهم في «تزايد مستويات التلوث، مع تنامي التأثيرات على صحة الإنسان، والنظم البيئية، والتربة، وخزانات المياه الجوفية» على المديين القريب والبعيد. وتجدر الإشارة إلى أن المياه الضحلة للخليج العربي، إلى جانب المناخ الصحراوي الجاف السائد في المنطقة، تخلق ديناميكية بيئية فريدة للتلوث، من شأنها تعزيز بقاء الملوثات واستمرار آثارها لفترات طويلة.

بيئة بحرية تواجه تحديات بيئية استثنائية

تجعل هذه العوامل المنطقة واحدة من أكثر البيئات البحرية تحدياً من الناحية البيئية على مستوى العالم. وقال «الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN)»: «من المرجح أن تتجاوز حوادث التلوث واسعة النطاق الحدود الجغرافية، وأن تحمل تداعيات كارثية محتملة تهدد النظم البيئية البحرية، والأنواع الحية، والسواحل على حد سواء، فضلاً عن ترك إرث بيئي ملوث قد يستمر لعقود».

كما أكد الاتحاد الحاجة الملحّة إلى تبني «نهج متكامل» يجعل حماية الطبيعة عنصراً محورياً في تحقيق السلام والتنمية المستدامة.

ورغم أن هذه التداعيات جميعها تندرج ضمن الإطار الواسع لـ«الأضرار الجانبية»، فإن ما غاب حتى الآن هو وجود منهج منظم لإدارة هذه المخاطر وسط حالة الفوضى؛ أي إطار شامل تلتزم بموجبه جميع الأطراف بحماية الفئات والمناطق الأكثر عرضة للخطر، والحد من المخاطر البيئية الحرجة، حتى أثناء مواصلة تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية.

ومن مخاطر التسرب النووي المحتمل، إلى تصاعد انبعاثات الكربون، والمخاطر الصحية، وصولاً إلى التلوث البحري، فإن أي صراع غير منضبط قد يتحول إلى كارثة مناخية لا يستطيع العالم تحمل تداعياتها.

الاتفاقيات والمعاهدات

في ظل خطوط التصدع الإقليمية والتاريخ الممتد من الصراعات، لا يبدو مستغرباً أن يفتقر الشرق الأوسط إلى معاهدة شاملة تحظر تطوير الأسلحة النووية أو امتلاكها أو اختبارها، على عكس ما هو معمول به في مناطق أخرى من العالم. وقد انضمت معظم دول المنطقة إلى «معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)»، في حين لا تزال بعض الدول الرئيسية خارج إطار هذه المعاهدة.

ورغم وجود منظومة من الاتفاقيات الدولية التي تنظم التعامل مع الحوادث النووية، والتلوث العابر للحدود، والمسؤولية القانونية، وآليات الاستجابة للطوارئ، والأضرار البيئية المرتبطة بالنزاعات المسلحة، فإنه لا توجد حتى الآن معاهدة موحدة وشاملة مخصصة لـ«الأضرار البيئية النووية».

وفي عام 1986، اعتمدت «الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)» «اتفاقية التبليغ المبكر عن وقوع حادث نووي» في أعقاب حادثة محطة تشيرنوبل النووية. وتضع الاتفاقية نظاماً للإخطار بالحوادث النووية التي ينجم عنها إطلاق مواد مشعة أو يُحتمل أن تؤدي إلى ذلك، والتي قد تتسبب في انتشار عابر للحدود الدولية بما قد يشكل أهمية من ناحية السلامة الإشعاعية لدولة أخرى.

كما تنص الاتفاقية على التزام الدول بالإبلاغ عن توقيت الحادث وموقعه وطبيعته، إضافة إلى المعلومات الأخرى الضرورية لتقييم الوضع. غير أنها تقتضي إرسال الإخطارات بشكل مباشر إلى الدول المتأثرة وإلى «الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)».

وبالمثل، تهدف «اتفاقية الأمان النووي (CNS)» إلى إلزام الدول الأطراف التي تدير محطات نووية مدنية برية بالحفاظ على مستويات مرتفعة من السلامة، من خلال الالتزام بمجموعة من المبادئ الأساسية للأمان النووي. وتقوم الاتفاقية على مبدأ المصلحة المشتركة للأطراف في تعزيز مستويات السلامة، عبر تطويرها ودعمها من خلال الاجتماعات الدورية. كما تلزم الدول الأطراف بتقديم تقارير حول مدى تنفيذ التزاماتها، تمهيداً لإخضاعها لـ«مراجعة النظراء» خلال اجتماعات «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وهو ما يمثل أحد أبرز عناصرها الابتكارية والديناميكية.

وربما آن الأوان لأن تتضمن هذه الاتفاقيات أحكاماً تعزز الحوار والتنسيق داخل الأقاليم، بدلاً من اقتصار التعامل مع هذه القضايا على هيئات دولية تقع مقراتها على بُعد آلاف الأميال.

والأهم من ذلك، أن مستوى الاستعجال الذي يُمنح للحوادث النووية يجب أن يمتد أيضاً إلى مختلف قضايا تغير المناخ الأخرى، ولا سيما في أوقات النزاعات والحروب.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙