شهد العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب أحدث جولة من إصلاحات منظومة امتلاك الأنظمة الدفاعية في الولايات المتحدة. وقد أصبح هذا المسار الإصلاحي سمة متكررة في سياسات القيادة الدفاعية الأمريكية، التي لا تبدو راضية بشكل كامل عن المراحل المتعاقبة من التعديلات التشريعية والتنظيمية التي طالت هذا المجال.
إن مصدر القلق ذاته مشروع. فعلى الرغم من امتلاك الولايات المتحدة أكبر ميزانية دفاع في العالم وتطويرها أكثر منظومات الأسلحة تقدماً وتعقيداً، فإن المنظومة المؤسسية لاقتناء أنظمة الدفاع الأمريكي تبدو وكأنها تعاني أزمة هيكلية عميقة ومستمرة. وبعد عقدين من التركيز الاستراتيجي بعيداً عن تنافس القوى الكبرى، أصبحت هذه الأزمة أكثر وضوحاً مع بدء الصين في تجاوز بعض القدرات العسكرية المحورية، من خلال إنتاج أعداد متزايدة من المقاتلات المتقدمة من الجيل الخامس، والمدمرات، والغواصات، بل وحتى حاملات الطائرات.
اشتركت محاولات الإصلاح السابقة في افتراض أساسي مفاده أن الإفراط في التنظيم يفرض مستويات رقابة غير ضرورية وأعباء إدارية ثقيلة، وهو ما يؤدي إلى إطالة الجداول الزمنية للتسليم ويثبط الكفاءة من حيث التكلفة في عمليات التطوير. غير أن برنامج الإصلاح الحالية تعكس تشخيصاً أكثر عمقاً - وأكثر تأثيراً من حيث إعادة توزيع الصلاحيات داخل المنظومة المؤسسية. فهي تستهدف ركيزتين أساسيتين في نظام الاقتناء: الوصول إلى السوق والسلطة التقديرية الإدارية، ولا سيما فيما يتعلق بانتقال النماذج الأولية إلى مراحل التطوير والتصنيع.
على صعيد السوق، عالجت إصلاحات عامي 2025-2026 شكاوى مزمنة مفادها أن متطلبات لائحة الاقتناء الفيدرالية (FAR) تفرض حواجز دخول مرتفعة أمام الشركات الجديدة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التطبيق الإلزامي لمعايير محاسبة التكاليف (CAS) في العقود القائمة على التكلفة مضافاً إليها نسبة أرباح. ويُنظر إلى هذه العقود على نطاق واسع على أنها تنقصها الكفاءة من حيث البنية الاقتصادية، إذ تنظّم الأرباح كنسبة مئوية من التكاليف، الأمر الذي يخلق حافزاً مالياً لقبول - أو حتى توسيع - هياكل التكاليف المرتفعة. وقد أنشأ قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 (NDAA) افتراضاً تنظيمياً يقضي بأن جميع العقود ينبغي أن تُعامل بوصفها عقوداً تجارية ما لم يتم تبرير خلاف ذلك صراحة. وقد أدى ذلك إلى توسيع استخدام آلية طرح الحلول التجارية (CSOs)، وهي آلية التماس إعفاء من معظم متطلبات لائحة الاقتناء الفيدرالية (FAR) وتتيح استخدام اتفاقيات المعاملات الأخرى (OT) والعقود ذات السعر الثابت. وبعد أن كانت هذه الآلية مقتصرة في السابق على النماذج الابتكارية المقدمة من الموردين غير التقليديين، أصبح بالإمكان الآن تمديدها إلى مراحل الإنتاج اللاحقة، في حين يُعفى الموردون غير التقليديون والمقاولون التجاريون من الباطن من متطلبات معايير محاسبة التكاليف وبنود العقود المرتبطة بها.
أما على الصعيد الإداري، فقد تمثلت شكوى مزمنة أخرى في التوزيع غير المتكافئ للسلطة داخل نظام الاقتناء، ولا سيما فيما يتعلق بالموافقة على المتطلبات من خلال نظام التكامل وتطوير القدرات المشتركة (JCIDS). وهذا ما يفسر صدور الأمر التنفيذي رقم 14265، الذي تبعته مذكرات صادرة عن مكتب وزير الدفاع (OSD) وأحكام ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026، حيث جرى بموجبها إصلاح نظام تكامل وتطوير القدرات المشتركة والحد من مشاركة هيئة الأركان المشتركة بحيث تقتصر على مجموعة أضيق من المشكلات العملياتية المشتركة الحقيقية. والأكثر تأثيراً أن الإصلاحات استبدلت هيكل المدير التنفيذي للبرنامج بهيكل مديري اقتناء المحافظ (PAEs). ويقوم هؤلاء المسؤولون الجدد بدمج عدة برامج تكنولوجية مترابطة ضمن محافظ متكاملة، ويُمنحون صلاحيات موسعة لإجراء المقايضات بين المتطلبات والتكلفة والجدول الزمني. والأهم من ذلك أنهم مخولون بإعادة تخصيص التمويل بين البرامج المختلفة، بما يوفر مرونة أكبر في إدارة الميزانيات لمواكبة التطور التكنولوجي - وهي سمة أساسية لمنظومة تقوم في جوهرها على الابتكار.
وعند النظر إلى هذه التغييرات مجتمعة، يتضح أنها ليست محايدة من حيث آثارها المؤسسية أو الاقتصادية. فهي مصممة إلى حد كبير لاستيعاب الشركات الناشئة المنبثقة عن منظومة تكنولوجيا الدفاع المدعومة برأس المال الاستثماري، والتي يُشار إليها عادة باسم “الدفاع الجديد”. إن العائق الرئيسي الذي تواجهه هذه الشركات لا يتعلق أساساً بحجمها أو بقدراتها الإدارية أو بدرجة إلمامها بالبيروقراطية الحكومية. بل ينبع من عدم التوافق بين قواعد الاقتناء الدفاعي التقليدية ونماذج الأعمال القائمة على رأس المال الاستثماري. وعلى خلاف المقاولين الرئيسيين التقليديين - الذين يكونون غالباً شركات مدرجة في الأسواق المالية - أو الموردين الأصغر الذين يعتمدون على التمويل المصرفي التجاري، تعتمد شركات “الدفاع الجديد” على تمويل الأسهم الخاصة الذي يفترض مستويات مرتفعة من المخاطر التكنولوجية مقابل احتمال تحقيق عوائد أسرع وأعلى من تلك التي تسمح بها عقود لائحة الاقتناء الفيدرالية.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن هذا النموذج التجاري يتطلب إعطاء الأولوية للحلول الدفاعية الجاهزة. فإذا لم تستوف هذه الحلول المتطلبات القائمة بصورة كاملة، فإن نجاح هذا النموذج يعتمد على امتلاك مسؤولي الاقتناء سلطة كافية لتعديل المتطلبات بحيث تتلاءم مع المنتج - بدلاً من إجبار المنتج على الامتثال لمواصفات جامدة محددة مسبقاً. وهذا ما يفسر سبب اقتران التوسع في التوريد التجاري والعقود ذات السعر الثابت بإنشاء مديري اقتناء المحافظ ذوي الصلاحيات الموسعة.
ومع ذلك، فإن تعديل الأطر التنظيمية وحده لا يمكنه تغيير الأساس الاقتصادي لاقتناء الدفاع. فعدم اليقين التكنولوجي والمخاطر المرتبطة بالميزانيات يمثلان سمات بنيوية في اقتناء أنظمة الأسلحة، كما هو الحال في بيئات الإنتاج أحادية المورد التي تتميز بوفورات الحجم الكبيرة. كما أن التكاليف الغارقة المرتفعة - الاقتصادية والسياسية على حد سواء - قد تحوّل العقود ذات السعر الثابت عملياً إلى ترتيبات لتقاسم التكاليف إذا حدثت تجاوزات في الميزانية.
ولهذا السبب تشير عقود من التحليل الذي قدمه ممارسون ذوو خبرة في مجال التسلح إلى أنه لا يوجد حل موحد قابل للتطبيق على جميع البرامج، إذ يختلف المصدر الأساسي للمخاطر اختلافاً جوهرياً بحسب طبيعة التكنولوجيا الجاري اقتناؤها. ومن ثم، ينبغي تحديد استراتيجيات الاقتناء المثلى على أساس كل برنامج على حدة. وبالنسبة للأنظمة التي تتجاوز تكلفة الوحدة فيها 30 مليون دولار أمريكي - مثل الطائرات القتالية التعاونية - فإن فكرة الشراء الجاهز للاستخدام التي تقبل مستويات مرتفعة من المخاطر التشغيلية على افتراض الإنتاج الكمي تبدو غير واقعية. فمثل هذه الأنظمة لا يمكن عملياً اعتبارها قابلة للفقدان بسهولة في القتال، ولذلك فهي تتطلب مرحلة أكثر صرامة واستدامة لخفض المخاطر. ومع ذلك، يبقى احتمال فرض أنظمة غير مؤهلة على القوات المسلحة قائماً من قبل القطاع والقيادة السياسية على حد سواء.
وحتى إذا كانت الإصلاحات مناسبة لتسريع اقتناء التقنيات التي يتم تطويرها بسرعة وتتميز بدرجة عالية من القابلية للاستنزاف - مثل الطائرات المسيّرة - وقد تسهم في خفض حواجز الدخول داخل قطاع دفاعي شديد التركز، فإنها لا تقدم حلولاً حقيقية للجمود الطويل الأمد في المجالات التقليدية. فالسفن القتالية السطحية، والغواصات، والطائرات المقاتلة ما زالت تعاني دورات تطوير طويلة، وهياكل توريد شبه احتكارية، وسلاسل إمداد متآكلة. ولذلك، فإن منح عقود تطوير بمليارات الدولارات لأنظمة لم تُخفض مخاطرها بالكامل قد يسهم في ظهور مقاولين رئيسيين جدد، إلا أنه من غير الواضح إلى أي مدى سيسهم ذلك في معالجة التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في سياق تنافسها مع القوى الندّية.
وكما ناقشنا في مواضع أخرى، فإن إطار الإصلاح الحالي يبدو أكثر ملاءمة للأنظمة غير المأهولة، والقدرات الفضائية، والمنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وهذه هي المجالات التي تتخصص فيها تحديداً أكثر الجهات المؤيدة للإصلاح صوتاً - مثل بالنتير Palantir و اندوريل Anduril و شيلد إىه آي ShieldAI. كما يفسر ذلك أيضاً سبب دعوة شخصيات مثل إيلون ماسك إلى استبدال الطائرات المقاتلة التقليدية المأهولة، مثل F-35، بالطائرات المسيّرة. ونظراً لجمود سقوف الميزانيات الدفاعية الإجمالية، فإن الاستراتيجية الأكثر منطقية بالنسبة للوافدين الجدد تتمثل في خلق حيز مالي عبر التخلص من البرامج التقليدية ذات الجداول الزمنية الطويلة للتطوير، وتمكين سلطات الاقتناء من إعادة تخصيص الموارد وفقاً لذلك.
ويشير ذلك إلى أن برنامج الإصلاح الحالي مدفوع، على الأقل جزئياً، باعتبارات الاقتصاد السياسي. كما أن الإشارات الأخيرة الصادرة عن الإدارة الأمريكية - بما في ذلك التهديدات بتقييد عمليات إعادة شراء الأسهم كإجراء عقابي في حال تأخر التسليم من قبل المقاولين الرئيسيين التقليديين - تعزز الانطباع بأن الهدف لا يقتصر على تحقيق الكفاءة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل القاعدة الصناعية الدفاعية وتقسيمها بدلاً من تعزيزها كمنظومة متكاملة.
وأخيراً، يجدر التذكير بأن الإنفاق الدفاعي الأمريكي قد انخفض من مستويات الحرب الباردة التي كانت تتراوح بين 6 و7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 3.4 في المائة حالياً. وإذا أُخذ التضخم في قطاع الدفاع في الاعتبار، فمن المنطقي افتراض أن أي زيادة في التسلح تتماشى مع متطلبات ردع القوى الندّية ستتطلب زيادة ملموسة بالقيمة الحقيقية. وفي وقت كتابة هذه السطور، اقترح الرئيس ترامب رفع الإنفاق الدفاعي إلى 1.5 تريليون دولار أمريكي - أي ما يقارب 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا أدى ذلك إلى زيادات مستدامة في كميات المشتريات وخلق مزيد من المنافسة في برامج الأنظمة التقليدية، فقد يكون تأثيره في نهاية المطاف أكثر أهمية من أي إصلاح تنظيمي




