تعد ماليزيا دولة بحرية بحكم طبيعتها الجغرافية؛ فهي تمتد على ضفتي الشريان الاستراتيجي لـ مضيق ملقا، وتطل على المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، ما يجعل ازدهارها وسيادتها وأمنها وثيقة الارتباط بالبحر.
أكثر من 90 في المائة من تجارتها يمر عبر الممرات البحرية. ومع ذلك، لم تواكب قدرات البحرية الماليزية تعقيدات بيئتها البحرية المتزايدة. ولم يعد تحديث الأسطول مسألة مكانة أو رمزية، بل ضرورة استراتيجية ملحّة.
تعمل البحرية الملكية الماليزية عبر مسرحين بحريين منفصلين: شبه الجزيرة الماليزية وشرق ماليزيا. والأخيرة تحديداً تقع على مقربة من مناطق متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وتجاور ممرات بحرية حيوية وبنية تحتية بحرية للطاقة .
وتزخر المنطقة الاقتصادية الخالصة لماليزيا بالموارد الهيدروكربونية والثروات السمكية، لكنها باتت أيضاً ساحة نزاع متزايدة مع توغلات خفر السواحل الأجنبية وسفن الصيد. وتعكس هذه التحركات إصرار أطراف خارجية على العمل في “المناطق الرمادية” دون مستوى الصراع المباشر، بهدف التشكيك في حقوق ماليزيا ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة واختبار مدى صلابتها دون إشعال مواجهة مفتوحة.
في مثل هذا المناخ، لا يرتكز الردع على الدبلوماسية وحدها، بل على حضور بحري دائم وموثوق يجسد الإرادة والقدرة في آن واحد.
ومع ذلك، عانت البحرية الماليزية طويلاً من تشتت أسطولها وتقادم منصاتها. فعقود من المشتريات التدريجية، والقيود المالية، وتبدّل الأولويات السياسية، أفرزت قوة بحرية متنوعة شكلاً لكنها مرهقة لوجستياً.
تعدد فئات السفن يعقّد أعمال الصيانة والتدريب وسلاسل الإمداد، ما يفضي إلى تراجع التوافر العملياتي وارتفاع كلفة دورة الحياة. وعليه، فإن التحديث يجب أن يكون بقدر ما هو اقتناء، عملية ترشيد وإعادة تنظيم.
ويمثل برنامج سفن القتال الساحلي LCS)) القائم على تصميم كورفيت «غوويند»، حجر الزاوية في مسار تجديد الأسطول. وقد صُمّم برنامج سفن القتال الساحلي (LCS) ليكون منصة متعددة المهام قادرة على تنفيذ عمليات مكافحة السفن، والدفاع الجوي، ومكافحة الغواصات، بحيث يحلّ محل القطع المتقادمة ويُحدث نقلة نوعية في القدرات. غير أن البرنامج شابته تأخيرات وتجاوزات في الكلفة وإشكالات حوكمة، ما أضعف ثقة الرأي العام بشكل مفهوم.
ومع ذلك، فإن التخلي عن مسار التحديث ليس خيارًا. بل يتعين على ماليزيا مضاعفة جهودها لإصلاح آليات مشتريات الدفاع، عبر تعزيز الشفافية، وتقوية الرقابة، وضمان إدارة واقعية للمشاريع.
وينبغي مواءمة الطموحات الصناعية الدفاعية مع الأولويات العملياتية. فمشاركة الصناعة المحلية مهمة لأسباب اقتصادية واستراتيجية، لكنها لا يجب أن تكون على حساب التسليم في الوقت المناسب أو الجاهزية القتالية.
وإلى جانب برنامج سفن القتال الساحلي (LCS)، يظلّ مخطط التحول البحري «15 إلى 5» — الهادف إلى تقليص 15 فئة من السفن إلى خمس فئات أساسية — إطاراً سليماً من حيث المفهوم. فالتوحيد القياسي يعزز قابلية العمل البيني، ويخفف أعباء الصيانة، ويرفع كفاءة التدريب.
وإذا نُفّذ البرنامج بثبات واتساق، فسيمنح البحرية مزيجاً متوازناً من المنصات يلائم احتياجات ماليزيا: فرض السيطرة البحرية في المناطق الحيوية، وتنفيذ عمليات الأمن البحري، وتقديم المساعدة الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث.
وتُعدّ القدرات تحت السطح ركناً حاسماً آخر. فماليزيا تشغّل حالياً غواصتين من فئة «سكوربين»، توفّران قدرة ردع استراتيجية تفوق حجمهما العددي. فالغواصات تُعقّد حسابات الخصوم، وتعزّز استراتيجية منع الوصول البحري، وتسهم في جمع المعلومات الاستخباراتية. والحفاظ على هذه القدرة، بل وتوسيعها مستقبلاً، سيكون أمراً ضرورياً إذا ما أرادت ماليزيا صون الغموض الاستراتيجي في المياه المتنازع عليها.
غير أن السفن وحدها لا تصنع قوة بحرية. فالتحديث البحري يجب أن يتكامل مع تعزيز الوعي بالمجال البحري (MDA). وهنا لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في تعزيز قدرات ماليزيا في مجال الوعي بالمجال البحري.
ففي عام 2024، سلّمت واشنطن ثلاث طائرات CN-235 تابعة لسلاح الجو الملكي الماليزي — جرى تحويل عملها - بتمويل منحة أميركية- إلى مهام المراقبة البحرية — كما كشف مسؤولون دفاعيون غربيون أن الولايات المتحدة درّبت كوادر ماليزية على صيانة هذه الطائرات.
وسبق ذلك في عام 2020 أن دعمت الولايات المتحدة قدرات ماليزيا في الأنظمة غير المأهولة عبر تبرعها بـ ست وحدات من طائرات «سكان إيغل» المسيّرة لصالح البحرية الملكية الماليزية. وتوفر الأنظمة غير المأهولة وسائل منخفضة الكلفة لمراقبة مساحات شاسعة من المنطقة الاقتصادية الخالصة الماليزية.
كما تتطلب القوات البحرية الحديثة قدرات صاروخية موثوقة لتعزيز الردع، ويُعدّ قرار ماليزيا اقتناء صواريخ «نافَل سترايك» النرويجية وصواريخ «أتماجا» التركية خطوة في الاتجاه الصحيح. وستحل هذه الأنظمة محل صواريخ «إكزوسيت MM40 بلوك II» المتقادمة التي ظلت في الخدمة لنحو ثلاثة عقود، ما يعيد إلى البحرية الملكية الماليزية قدرتها على فرض كلفة حقيقية على أي طرف معادٍ.
ورغم أن تشغيل نوعين من الصواريخ يثير تساؤلات بشأن قابلية التكامل العملياتي والأعباء اللوجستية، فإن القرار يعكس قدراً من الحصافة الاستراتيجية. فتنويع المورّدين يحدّ من الاعتماد المفرط على مصدر واحد، ويقلّص مخاطر سلاسل الإمداد والضغوط السياسية، ويعزز موقع ماليزيا التفاوضي في صفقات الدفاع المستقبلية.
ثمّة بُعد داخلي لا يقل أهمية. فالدعم الشعبي للإنفاق الدفاعي مرهون بالثقة في أن الأموال العامة تُدار بكفاءة وشفافية، وهي نقطة شدّد عليها رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم في يناير 2026. وقد شكّل الجدل الذي أحاط ببرنامج سفن القتال الساحلي مثالاً صارخاً على ذلك، إذ جرى دفع نحو 65 في المائة من ميزانية تتجاوز ملياري دولار أميركي إلى الجهة المنفذة، رغم عدم اكتمال أو تسليم أي من السفن الست المطلوبة للبحرية. وعندما يلمس الماليزيون أن أموالهم الضريبية تُنفق بحكمة على الدفاع، فإن الدعم الداخلي القوي لمسار تحديث البحرية سيتعزز تلقائياً.
أخيراً، ينبغي لماليزيا أن تنظر إلى تحديث أسطولها البحري بوصفه مشروعاً وطنياً طويل الأمد، لا مبادرة مرتبطة بدورة سياسية عابرة. فبناء القدرات يمتد عبر عقود، ويتطلب توافقاً بين الأحزاب حول أولويات الدفاع الأساسية، بما يوفر الاستقرار ويبعث برسالة جدية إلى الشركاء والخصوم المحتملين على حد سواء.
وبالنسبة لدولة بحرية تقع عند تقاطع طرق التجارة العالمية، فإن تحديث البحرية ليس ترفًا، بل ضرورة تحفظ توازن ماليزيا وسط مياه إقليمية ودولية مضطربة.




