رباطة الجأش تحت النيران: ما الذي تجيده دولة الإمارات في مفهوم الدفاع الشامل

غالبًا ما يُناقش مفهوم الدفاع الشامل بصيغة نظرية، بوصفه عقيدة أو استراتيجية دفاعية أو تصميمًا مؤسسيًا. غير أن أهميته الحقيقية تتضح بشكل أكبر في اوقات الأزمات، عندما تُختبر الأطر المجردة في مواجهة الواقع الفعلي.

ويُظهر الصراع الجاري في الشرق الأوسط، والذي شهد هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة، كيف أن الدفاع الشامل -عند تفعيله بفعالية-لا يعمل كشعار فحسب، بل كنظام متكامل للجاهزية الوطنية.

القدرات العسكرية

عندما أطلقت جهات معادية تهديدات جوية باتجاه دولة الإمارات، استجابت أنظمة الدفاع الجوي في الدولة بحزم. وكانت عمليات الاعتراض فورية ومسموعة. فقد كان صوت الصواريخ الدفاعية وهي تصيب أهدافها في الأجواء فوق الرأس مزعجًا ومطمئنًا في آنٍ واحد. مزعجًا، لأنه يعكس تهديدًا حقيقيًا، ومطمئنًا في الوقت ذاته-إذ يُظهر قدرة دفاعية موثوقة، مع معدل نجاح يتجاوز 90% في اعتراض المقذوفات المعادية.

لقد أبرزت هذه الواقعة مبدأً أساسياً من مبادئ الردع: يجب أن تكون القدرات مرئية وفعّالة للحفاظ على ثقة الجمهور.

الدفاع النفسي

ومع ذلك، فإن القدرات العسكرية وحدها لا تُحقق الاستقرار. فما كان له تأثيرٌ مماثل في الأهمية هو استراتيجية الاتصال الحكومي. تلقى السكان تنبيهات تحذيرية في الوقت المناسب على هواتفهم المحمولة بشأن التهديدات المحتملة الواردة، مما أتاح لهم اتخاذ التدابير الاحترازية. وقد أسهم وضوح وسرعة الرسائل الرسمية في تقليل حالة عدم اليقين، وهو متغير حاسم في علم نفس الأزمات.

إن عدم اليقين غالبًا ما يضخّم الخوف أكثر من التهديد ذاته. بالمقابل، تسهم المعلومات الموثوقة في الحد من الشائعات واحتواء حالة الهلع.

ويُعد سلوك الجمهور خلال هذه الأحداث مؤشراً بالغ الأهمية. عبّر الجمهور عن ثقته في القدرات الدفاعية لدولة الإمارات، وتم تجنّب حالة الذعر، فيما اتسمت الأجواء العامة بروح من التضامن مع الدولة. ويشير هذا التماسك إلى أن الدفاع الشامل لا يعمل فقط من خلال الآليات المؤسسية، بل أيضًا عبر الثقة العامة المُتراكمة والمُعزَّزة. إن الثقة في قدرة الدولة تُحوّل الدفاع من وظيفة تقنية بحتة إلى عامل استقرار نفسي، وهو عنصر ضروري لتمكين الدولة من العمل بفعالية في أوقات الصراعات.

ومن اللافت أن اضطرابات عامة واسعة النطاق لم تتجسد على أرض الواقع. فلم تُسجَّل تقارير تُذكر عن شراء بدافع الذعر أو طوابير طويلة في المتاجر الكبرى. كما استمرت الحياة الاجتماعية-مع قدر مفهوم من الحذر- بوتيرة قريبة من الطبيعي. وخلال شهر رمضان، شوهد السكان وهم يفطرون في تجمعات الإفطار في المقاهي. ولا ينبغي تفسير هذا الاستمرار السلوكي على أنه حالة من التراخي، بل هو انعكاس لثقة الجمهور في كفاءة المؤسسات.

الدفاع الاقتصادي

كان استمرار الأنظمة الاقتصادية والمالية ذا أهمية مماثلة. سارعت المصارف إلى طمأنة العملاء بأن الخدمات ستستمر دون انقطاع. في المجتمعات المعاصرة، تُشكّل الأنظمة المالية جزءًا من البنية التحتية الحيوية. وقد تؤدي أي اضطرابات في العمليات المصرفية إلى إثارة قلق متسلسل يتجاوز بكثير الحادث الأمني المباشر. ومن خلال التواصل الاستباقي، تُسهم المؤسسات المالية في تعزيز الاستقرار المجتمعي الأوسع، وتجنّب إثارة حالة هلع تدفع الجمهور إلى التهافت على سحب الأموال من أجهزة الصراف الآلي وفروع البنوك. وفي هذا السياق، شكّلت المرونة الاقتصادية امتدادًا للدفاع الوطني.

كما أن مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للطيران أضافت مستوى إضافيًا من التعقيد. إذ يمكن أن تؤدي اضطرابات المجال الجوي بسرعة إلى التأثير على شبكات السفر الدولية، وتعطيل حركة المسافرين، واستنزاف الأنظمة اللوجستية. وقد وجد أكثر من 30,000 مسافر أنفسهم عالقين نتيجة إغلاق المجال الجوي في منطقة الخليج.

تحركت الجهات المختصة بسرعة لدعم المسافرين المتضررين، من خلال تنسيق المساعدات ومعالجة الجوانب الإنسانية. ومع إلغاء الرحلات، تكفلت حكومة دولة الإمارات بتغطية تكاليف الإقامة والوجبات للمسافرين العالقين. كما جرى إصدار التأشيرات لهؤلاء المسافرين بشكل سريع، مما أتاح لهم البقاء في الدولة إلى حين تنظيم رحلاتهم اللاحقة.

وقد عكست هذه الاستجابة إدراكًا بأن الدفاع الشامل لا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل أيضًا إدارة الترابطات المعقدة داخل بيئة عالمية مترابطة.

وبالنسبة للسياح حاملي تأشيرات الزيارة والمقيمين الذين تعذّر عليهم المغادرة بسبب إلغاء الرحلات، قامت الحكومة بإعفاء غرامات تجاوز مدة الإقامة.

تركّز نظرية الردع التقليدية على منع الخصوم من بدء الهجمات من خلال التهديد بالرد أو الحرمان. غير أنه في عصر يتسم بتهديدات غير متماثلة وتقليدية-بما في ذلك حملات التضليل، والهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ-قد يكون المنع الكامل لهذه التهديدات أمرًا غير واقعي.

والأهم من ذلك، أن ثقة الجمهور يجب أن تستند إلى أداء ملموس وقابل للملاحظة، وليس إلى تطمينات خطابية فقط. ومن ثم، تصبح القدرة على الصمود عنصرًا أساسيًا من أجل بقاء الدولة. فإذا فشلت الهجمات في إحداث تعطيل استراتيجي، تتراجع قيمتها وتأثيرها. إن استمرار الحياة اليومية، واستقرار الأسواق، وتماسك سلوك الجمهور، جميعها عوامل تُضعف التأثير النفسي المقصود من مثل هذه الهجمات. وهنا يتجلّى الدور المحوري الذي يؤديه الدفاع الشامل.

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

أرسل منشورك

An error has occurred. This application may no longer respond until reloaded. Reload 🗙